
سيلفيا مكرم تكتب: ضمير أبلة صالحة
في أروقة المدارس و بإتساع الخريطة المصرية، تُخاض يومياً معارك صامتة لا تتصدر عناوين الأخبار، بطولاتها لا تعتمد على الضجيج، بل على إيمان راسخ بقدسية الرسالة. وحين جسدت الفنانة القديرة فاتن حمامة قبل عقود شخصية “أبلة حكمت” في المسلسل الشهير “ضمير أبلة حكمت” الذي كتبه المبدع أسامة أنور عكاشة، لم تكن تصنع أسطورة خيالية.. بل كانت تُقدم نموذجاً للمديرة الحازمة والأم الحنون التي خاضت معارك إدارية وإنسانية شرسة من أجل الحفاظ على قيم التربية قبل التعليم، ورفضت التنازل عن مبادئها أمام العقبات . لقد صار اسم “أبلة حكمت” في الثقافة المصرية رمزاً للضمير الحي الذي يضع مصلحة الطلاب فوق أي حسابات أخرى. اليوم، يُعيد الواقع صياغة هذه القيمة بنسخة حية تُجسد روح المبادرة، لتسجل في سجل العطاء عنواناً نابضاً بالحياة: “ضمير أبلة صالحة”.
بدأت القصة خلال جولة تفقدية لمتابعة تجهيز المؤسسات التعليمية في محافظة القليوبية قبل انطلاق العام الدراسي. وأثناء النقاشات المعتادة حول مدى الاستعداد وأعمال الصيانة، تجلّى موقف استثنائي لمديرة المدرسة…موقف كشف عن حجم التفاني الذي يقبع خلف الأبواب المغلقة. لم تنتظر المديرة البيروقراطية و بطء آليات الاعتماد المالي لمعالجة الأعطال الطارئة، بل بادرت – بالتعاون مع وكيلة المدرسة و بعض المتطوعين – بالإنفاق من أموالهن الخاصة لإصلاح شبكات المرافق وتجهيز الفصول، حرصاً منها على استقبال الطلاب في بيئة آمنة ولائقة منذ اليوم الأول.
وأنا أتابع هذه الواقعة وأخطّ هذه السطور، لم أتمالك نفسي من العودة بذاكرتي إلى سنوات دراستي الأولى، حيث استحضرت شريطاً دافئاً من ذكريات معلّميّ الأفاضل الذين تركوا في وجداننا أثراً لا يمحوه الزمن. تذكرتُ ذلك المعلم الذي لم يتحمل رؤية طلابه يقاسون تحت وطأة الحر الشديد داخل الفصل خلال أيام الصيف القاسية، فبادر دون تردد بشراء مروحة جديدة على حسابه الخاص وثبّتها بيده، لا لشيء إلا لتوفير جو خفيف يُعينهم على التركيز والاستيعاب، ورغبةً منه في ألا يُشتت الحر أذهانهم الصغيرة عن تحصيل العلم.
كما تذكرتُ تلك المعلمة التي كانت تقتطع من دخلها البسيط لتشتري لنا هدايا تحفيزية وكراسات ملونة تزرع الشغف في قلوبنا، وأولئك الذين كانوا يوفرون الكتب والكراريس في الخفاء للطلاب غير القادرين دون أن تجرح مشاعرهم، ناهيك عن الدعم المعنوي والاحتضان الذي كان يرمم نفوسنا قبل عقولنا. هؤلاء .. لم تكن تلك مجرد وظيفة يتقاضون عنها أجراً، بل كانوا يمارسون أمومة وأبوة حقيقية في محراب العلم.
إن قصة “أبلة صالحة” أثارت تفاعلاً واسعاً ونقاشاً مجتمعياً ممتداً، لأنها لمست هذا الوتر الحساس في وجداننا جميعاً، وسلّطت الضوء على أن روح “أبلة حكمت” التي تربينا عليها ما زالت تنبض في أوردة المدارس حتى اليوم. فالقيمة الحقيقية لهذه الواقعة لا تكمن في كونها حدثاً فريداً، بل في كونها نافذة نرى من خلالها آلاف القصص المشابهة التي تدور في الخفاء. ففي كل مدرسة بقرى مصر ومدنها، يوجد العشرات من القيادات والمعلمين الذين يعملون بضمير حي بعيداً عن الأضواء، تجدهم يقتطعون من أوقاتهم وأموالهم الخاصة لترميم مقعد مكسور، أو تجميل جدران الفصل، أو رعاية طالب محتاج.
إن هؤلاء المخلصين الصامتين يمثلون العمود الفقري للعملية التعليمية، وهم الثروة الحقيقية التي تضمن استمرار الرسالة. وحين يُسلط الضوء على نموذج كـهذا ، فإن الأهمية لا تقف عند حدود تكريم شخص بعينه، بل تمتد لتكون تحية تقدير واعتراف لكل معلم ومعلمة يقدمون العطاء غير المشروط في كل مدارس مصر .
إن الاحتفاء بهذه النماذج الإيجابية يبعث برسالة أمل، ويؤكد أن العنصر البشري المخلص هو الاستثمار الأهم. كما يدعو في الوقت ذاته إلى تعزيز البيئة التي تحتضن روح المبادرة، إلا أن المبادرات الذاتية الإنسانية استثناء لا يعفي الدولة من القيام بدورها تجاه توفير البيئة التعليمية الآمنة، ودعمها وضمان الصيانة الدورية الشاملة لكل صرح تعليمي.. فالعطاء الفردي محطّ تقدير وإجلال، لكن الرعاية الرسمية للدولة وتخصيص الاعتمادات المالية السريعة هي الضمان الوحيد لاستمرار جودة التعليم وتفرغ المعلم لمهمته الأسمى وهي التربية والتعليم.»



