
من سيول إلى القاهرة.. حين تصبح الشراكة مصانع لا تصريحات
عزة الفشني
حين يكون الحديث عن مصر فإن الفخر وحده هو الذي يليق بالمقام وحين يذكر اسم مصر يحضر معه ثقل حضارة لا تغيب وشعب لا يعرف الإنحناء وقائد يدرك أن المسؤولية أمانة وأن الوطن يستحق أن يوضع في مقدمة كل شيء.
في توقيت دقيق يشهد فيه العالم إعادة تشكيل لخريطة الإقتصاد والطاقة جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الكورية سيول لا لتحمل فقط رسائل سياسية. بل لتضع على الطاولة سؤالاً واحداً ومباشراً.. كيف تتحول مصر من سوق مستهلكة إلى مركز تصنيع إقليمي وعالمي.
لم يعد أحد يقيس نجاح الزيارات الرئاسية بعدد اللقاءات أو بحرارة الإستقبال. أصبح المقياس مختلفاً. أصبح ما العائد من الزيادة. كم مصنعاً سيقام؟ وكم عدد الشباب والكوادر المهنية ممن سيجدون فرص عمل حقيقية؟
الهدف وراء زيارة سيول
الجميع يعرف أن كوريا الجنوبية قصة نجاح لا تشبه أحداً. دولة نهضت من الحرب إلى قمة الصناعة خلال أربعين عاماً. لم تمتلك موارد طبيعية. لكنها امتلكت إرادة وعقل وخطة. حتى أصبحت تصدر السيارات والهواتف والسفن والذكاء الإصطناعي إلى العالم كله.
أما مصر فتملك ما تحلم به أي دولة صناعية. تملك موقعاً لا يتكرر يربط ثلاث قارات. وتملك قناة السويس التي هي شريان التجارة العالمية. وتملك طاقة شمسية. وتملك أكثر من 100 مليون مستهلك. كما تملك أيدى عاملة من الشباب يريد أن ينتج.
إذن فالحلقة المفقودة كانت في التكنولوجيا وفي الخبرة وفي القدرة على تحويل الخام إلى منتج عالي القيمة.
وهنا تأتي أهمية سيول. فالهدف ليس إتفاق تجاري عابر. الهدف هو شراكة إستراتيجية كل من الدولتين يحتاجإلىالآخر. مصر تعرض الموقع والسوق والايدى العاملة، وكوريا تعرض العلم والمصنع والتدريب.
مصر تريد تصدير منتجات “صنع في مصر” إلى دول العالم
الرسالة واضحة. مصر لا تبحث عن بروتوكولات أو زيارات عابرة. مصر تبحث عن شركاء في البناء. تبحث عن من يساعدها أن تكتب على منتجاتها “صنع في مصر” وتصدرها إلى أفريقيا وآسيا وأوروبا.
العالم اليوم يتغير بسرعة. لم تعد الدول تعتمد على طرف واحد. الكل يبحث عن تنويع مصادر التصنيع والتوريد. ومصر بموقعها وباستقرارها وبمشروعاتها الكبرى في البنية التحتية أصبحت الخيار الأقرب والأكثر أماناً لأى وجهة تريد أن تستثمر.
مصر قررت أن تكون داخل المصنع العالمي وليس خارجه
لذلك كانت زيارة سيول خطوة في الإتجاه الصحيح. خطوة تقول إن مصر قرأت الخريطة الجديدة مبكراً. وقررت أن تكون داخل المصنع العالمي وليس خارجه.
التحدي الآن ليس في الزيارة. التحدي في ما بعد الزيارة. في ترجمة كل ما دار فى المحادثات إلى عقود. والعقود إلى مصانع. والمصانع إلى منتجات يراها المواطن في السوق ويصدرها للخارج.
مصر لا ينقصها التاريخ. التاريخ موجود. ما ينقصنا هو أن نصنع مستقبلاٌ جديداً بأيدينا. وزيارة الرئيس إلى كوريا توحى بذلك
فى النهاية: إن زيارة سيول هي إختبار لقدرة مصر على جذب إستثمارات من النوع الذي يبني مصانع ويخلق وظائف دائمة ويضعها على خريطة الصناعة لا فقط على خريطة التجارة.
القوة لم تعد بالكلام. القوة اليوم بالصناعة. ومن يملك المصنع يملك القرار. ومصر ماضية في طريقها لتملك القرار.



