مقالات

عزة الفشني تكتب: ملفات الجنود الأمريكيين لم تعد سراٌ بعد اليوم

في مشهد يكشف حجم الهشاشة التي قد تصيب حتى أكثر المؤسسات تحصيناً في العالم أعلن البنتاجون عن تعرض أحد أنظمته المركزية لإختراق أمني واسع إمتد لقرابة تسعة أشهر كاملة دون أن يتم إكتشافه في حينه. النظام المستهدف هو مركز بيانات القوى العاملة التابع لوزارة الدفاع الأمريكية وهو المستودع الذي يحتفظ بسجلات ملايين العسكريين والمدنيين والمتعاقدين وأسرهم على مدار عقود.

المتسللون حصلوا على معلومات شديدة السرية

وبحسب ما ورد من الجهات المعنية فقد تمكن عدد محدود من المتسللين من الوصول إلى هذا النظام في الفترة من أكتوبر الماضي حتى يوليو من العام الحالى واستطاعوا خلالها الإطلاع على معلومات بالغة الحساسية تخص ما يزيد على ثلاثة ملايين شخص. يشمل هذا الرقم نحو مليونين وسبعمائة وستين ألف شخص على قيد الحياة وأكثر من مئتين وأربعة وتسعين ألف شخص من المتوفين.

البيانات محفوظة دون تشفير ما سهل الوصول إليها

لم يكن حجم الأعداد هو الصدمة الوحيدة بل طبيعة البيانات نفسها. فقد تضمنت السجلات المخترقة أرقام الضمان الإجتماعي وتواريخ الميلاد ومعلومات الإتصال والتفاصيل المتعلقة بالوظائف العسكرية. بما في ذلك التخصصات الدقيقة التي يشغلها بعضهم داخل المؤسسة العسكرية. الأخطر من ذلك أن هذه البيانات كانت محفوظة دون تشفير مما جعل الوصول إليها أسهل وأكثر خطورة.

مما يضعنا أمام تساؤلات عميقة حول التداعيات الأمنية المحتملة لأن تسرب معلومات عن التخصصات العسكرية والمواقع الوظيفية قد يفتح أبواباً للإستهداف أو للإبتزاز أو لعمليات إستخباراتية معقدة. ولهذا الحين أكدت وزارة الدفاع الأمريكية أنها لم ترصد أي دليل على استخدام هذه المعلومات بشكل ضار حتي الآن. وأن التحقيقات ما زالت جارية لمعرفة هوية المتورطين ودوافعهم.

9 أشهر من الاختراق

المفارقة الغربية أنه تم إكتشاف الثغرة في منتصف يوليو الماضي واستمر هذا الإختراق تسعة أشهر متواصلة دون أن يلحظ أحد. وحين تم إكتشاف هذه الثغرة تم إغلاقها وترميم النظام المتضرر والبدء في إجراءات الإستجابة المعتادة في مثل هذه الحوادث. وكأن من الضروري أن يعلن البنتاجون عن تقديم خدمات حماية الهوية ومراقبة الائتمان للمتضررين لفترة عام كامل في محاولة للتخفيف من الآثار النفسية عليهم نتيجة هذا التسرب.

هذا الحادث يضع المسؤولية كاملة على عاتق البنتاجون وحده. فالإهمال في المراجعة الدورية وغياب المراقبة الاستباقية وضعف التنسيق داخل بيروقراطية ضخمة وتأخر اكتشاف النشاط غير الطبيعي كلها عوامل سمحت بإستمرار الإختراق كل هذه المدة.

هذا الحادث يأتي ليذكرنا بأن الأمن السيبراني لم يعد ترفاً تقنياً بل خط دفاع أول عن سيادة الدول وعن خصوصية الأفراد. فعندما يكون الخطر قادراً على إختراق جدران البنتاجون نفسه فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس من سيكون الضحية التالية بل متى وكيف يمكن أن نعيد بناء الثقة في الأنظمة التي ائتمناها على أسرارنا.

خلاصة القول أن ما حدث يكشف أن قوة أي دولة لا تحميها وحدها من الخطر السيبراني. الأمن اليوم يحتاج يقظة يومية وتشكيك دائم وإعتراف بأن أي نظام مهما كان ضخماٌ يمكن أن يسقط من ثغرة صغيرة إذا تركناها دون متابعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى