مقالات

خالد فياض يكتب: البحر الأحمر.. معركة الطريق

ليست الحرب في اليمن سباقاً بين طائرات وأهداف، ولا يمكن قياس نتائجها بعدد الطلعات الجوية أو المواقع التي أُعلنت إصابتها. فالموقع الذي يُدمَّر في الصباح قد يُعاد بناء الحضور فيه بعد ساعات، أو ينتقل الخصم إلى مساحة أخرى، أو يتحول الفراغ الذي خلّفته الضربة نفسها إلى جزء جديد من المعركة. وهذه واحدة من الحقائق التي ظلت تفرض نفسها على الحرب اليمنية في كل جولة تصعيد: فالتفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول إلى نهاية سياسية للحرب. وقد كشفت التجربة المصرية في اليمن بين عامي 1962 و1967 جانباً من هذا الفارق؛ فالسيطرة على الجو لا تعني السيطرة على الأرض، والقدرة على إيقاع الخسائر بالخصم لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء قدرته على الاستمرار.

والمعادلة اليوم أكثر تعقيداً، لأن السعودية تواجه جماعة راكمت خبرة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي استغلال الجغرافيا والانتشار غير التقليدي. ولذلك يصبح السؤال الحقيقي بعد كل ضربة مختلفاً عن سؤال عدد الأهداف التي أصيبت: من يستطيع البقاء؟ ومن يستطيع حماية خطوط إمداده؟ ومن يتحمل كلفة الاستمرار؟ فالموقع العسكري لا يمنح صاحبه نفوذاً دائماً إذا عجز عن الاحتفاظ به، والميناء لا يتحول إلى مصدر قوة إذا ظل الطريق المؤدي إليه مكشوفاً.

ومن هنا تبرز أهمية الساحل الغربي لليمن وباب المندب تحديداً. فهذا المضيق الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن لا يمثل مجرد نقطة جغرافية على خريطة الصراع اليمني، وإنما جزء من منظومة أوسع تمس الملاحة والتجارة والطاقة والتأمين، وتمتد آثارها إلى حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس. وقد أكدت التطورات الأخيرة أن السيطرة على هذه المنطقة لا تحسمها السيطرة اللحظية على موقع بعينه، بل القدرة على تثبيت الوجود وتأمين الساحل والطرق البرية، ومنع الخصم من استخدام المناطق المحيطة للضغط على الملاحة وخطوط الإمداد.

وفي هذا السياق، اكتسبت التطورات حول المخا وذوباب وجزيرة ميون أهمية تتجاوز حدود المعركة المحلية، إذ أعلنت أطراف متعارضة روايات مختلفة بشأن السيطرة على هذه المواقع ومسار القوات المتقدمة، بما يعكس طبيعة الحرب نفسها: فالمعلومات العسكرية ليست دائماً متطابقة، والسيطرة على موقع لا تعني بالضرورة حسم المنطقة المحيطة به. فالمضيق لا يُؤمَّن بمجرد الوصول إليه، وإنما بتأمين البيئة الجغرافية الممتدة حوله، وبمنع الخصم من تحويل المناطق المجاورة إلى منصات ضغط على حركة السفن والإمدادات.

وفي الوقت نفسه، تتجاوز تداعيات الحرب حدود الجبهة اليمنية. فقد وقعت السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، ثم عقدت الدول الثلاث في الخامس من أكتوبر اجتماعاً طارئاً في الرياض للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية، اتفقت خلاله على توفير القوات والقدرات المتفق عليها وضمان سرعة نشرها في السعودية وفق القوانين الوطنية لكل دولة.

ولا تكمن أهمية هذا التطور في عدد القوات التي يمكن أن تشارك، ولا في افتراض مشاركة تركية أو باكستانية مباشرة في العمليات داخل اليمن، إذ لا تشير المعطيات المعلنة إلى ذلك حتى الآن. كما أن التقارير التي تتحدث عن المساهمة التركية تركز في مرحلتها الأولى على الجوانب الدفاعية والتقنية والاستخباراتية واللوجستية، بينما تبقى حدود المشاركة القتالية المباشرة خاضعة للتدرج والحسابات السياسية. لكن الأهم أن التهديدات القادمة من اليمن تدفع الترتيبات الأمنية الإقليمية تدريجياً من مستوى البيانات السياسية إلى بناء قدرات ردع جماعية. فالحروب لا تترك وراءها جبهات جديدة فقط، وإنما قد تنتج أيضاً مؤسسات وترتيبات أمنية تستمر آثارها بعد انتهاء الجولة العسكرية.

وهنا يصبح من الصعب النظر إلى البحر الأحمر باعتباره شأناً يمنياً خالصاً. فالتصعيد الحوثي يتقاطع مع الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وقد أفادت وكالة فرانس برس بأن طهران طلبت من الحوثيين في يوليو الاستعداد لإغلاق باب المندب إذا هاجمت واشنطن شبكة الكهرباء الإيرانية، في حين يربط الحوثيون وقف عملياتهم بوقف الهجمات على اليمن ورفع الحصار عنه. وبصرف النظر عن اختلاف الروايات والمواقف، فإن النتيجة الأهم هي أن باب المندب أصبح جزءاً من حسابات تتجاوز اليمن نفسه.

وفي البحر الأحمر تتقاطع مصالح دول عديدة، لكن تقاطعها لا يعني تطابقها. فمصر تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه امتداداً مباشراً لأمنها وقناة السويس، والسعودية تنظر إلى الضفة المقابلة باعتبارها جزءاً من أمنها البحري، فيما تتزايد المصالح التركية وحضورها، وللإمارات حضور اقتصادي حول عدد من الموانئ والممرات، بينما تتحرك الصومال وإثيوبيا وفق حساباتهما الوطنية. وقد تتقاطع هذه المصالح في ملف وتتباعد في آخر، ولذلك فإن اختزال المشهد في مشروع واحد تديره جهة واحدة لا يساعد على فهم تعقيداته.

وتكتسب إثيوبيا في هذا السياق أهمية خاصة، مع تأكيد رئيس الوزراء آبي أحمد حق بلاده في الوصول إلى منفذ بحري من خلال التفاوض ومبدأ المنفعة المتبادلة، في مقابل مواقف مصر وإريتريا المتحفظة على أي ترتيبات تمنح دولة غير مشاطئة دوراً مؤثراً في أمن البحر الأحمر. وأي ترتيبات جديدة تتصل بالموانئ أو الوصول البحري لن تكون مجرد مسألة اقتصادية أو لوجستية، لأنها تمس حسابات دول ساحلية عدة، في مقدمتها مصر والصومال وإريتريا، وتعيد تعريف البيئة التي تتحرك فيها القوى الإقليمية حول الممرات البحرية.

وبالنسبة إلى مصر تحديداً، فإن اضطراب باب المندب يمس قناة السويس بصورة مباشرة، لكن التحدي لا يكمن بالضرورة في كل تطور منفرد، وإنما في تراكم التطورات: اضطراب الملاحة، وارتفاع تكاليف التأمين، وتغير مسارات السفن، والمنافسة على الموانئ، وتنامي الحضور العسكري حول الممرات، وأي تحول في خرائط الموانئ وخطوط التجارة. فكل تغيير من هذه التغييرات يمكن أن يعيد ترتيب الحسابات التي تتحرك فيها القاهرة، ولهذا يصبح البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر منظومة أمن ومصالح متصلة، لا مجموعة ملفات منفصلة.

ومن هذه الزاوية، فإن المعركة الحقيقية في اليمن والبحر الأحمر ليست معركة السيطرة على مدينة أو مضيق في لحظة معينة، وإنما معركة القدرة على تثبيت الوجود وتأمين خطوط الإمداد وتحويل المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار. فالموقع يحتاج إلى إمداد، والإمداد يحتاج إلى طريق آمن، والطريق يحتاج إلى معلومات وحماية، وكل ذلك يحتاج في النهاية إلى قدرة سياسية على الحفاظ على التحالفات.

والبحر لا يحتاج إلى أن يتوقف تماماً حتى يتحول إلى عامل ضغط؛ إذ يكفي ارتفاع مستوى عدم اليقين حتى تعيد شركات التأمين والناقلون والمستثمرون حساباتهم. ومن هنا، فإن من يملك الموانئ لا يملك بالضرورة البحر، ومن يسيطر على الساحل لا يضمن الملاحة، ومن يمتلك التفوق الجوي لا يضمن نهاية الحرب.

لهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا حدث بعد الضربة؟ وإنما: ماذا يحدث بعدها؟ من يستطيع إعادة بناء حضوره؟ من يحمي إمداداته؟ ومن يملك القدرة على إبقاء الطريق مفتوحاً؟ هنا تتجمع أهمية البحر الأحمر، لأن الصراع عليه لم يعد صراعاً على موقع جغرافي فحسب، بل على الطريق نفسه: من يؤمّنه، ومن يتحكم في كلفته، ومن يستطيع التأثير في حركة التجارة والطاقة والملاحة عبره. وفي هذا المعنى أصبحت اليمن أكبر من اليمن، وأصبح باب المندب أكبر من باب المندب، وأصبح البحر الأحمر واحداً من الميادين التي تتقاطع فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد والأمن والسياسة، وتتشكل فيها بعض ملامح التوازنات الإقليمية المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى