
حروب الاختناق: من مضيق هرمز إلى الرقائق… الجغرافيا الخفية للقوة العالمية
د.حمدي محمود – باحث متخصص في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
لم تعد الحروب المعاصرة تُقاس فقط بما تنتزعه الجيوش من أراضٍ، أو بما تسيطر عليه الدول من ممرات بحرية ومصادر للطاقة، بل بما تستطيع تعطيله من تدفقات، وما تملكه من قدرة على إبقاء الاقتصاد يعمل حين تتعرض شبكاته الحيوية للاضطراب. ومن هنا تكتسب أزمة مضيق هرمز دلالة تتجاوز النفط وأسعاره؛ فهي تكشف عن جانب أقل ظهورًا في صراعات القوة، يتمثل في المواد التي لا تستحوذ على الاهتمام السياسي والإعلامي نفسه، لكنها تؤدي أدوارًا لا غنى عنها في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا. فحين تتعطل شحنات الغاز أو الأسمدة أو الكبريت أو الهيليوم، لا تبقى الأزمة محصورة في قطاع الطاقة، بل تنتقل عبر حلقات الإنتاج لتصل إلى الغذاء والمعادن والصناعات الدقيقة وأشباه الموصلات. وبذلك يصبح المضيق عقدة استراتيجية في شبكة اقتصادية تتجاوز سوق المحروقات، لأن اضطراب التدفقات عبره قد يمتد أثره إلى قطاعات تبدو، للوهلة الأولى، بعيدة عن الصراع البحري.¹
تكمن المفارقة الجيوسياسية في أن الممر الواحد لا يحمل سلعًا متساوية في طبيعتها أو قابليتها للتعويض، ولا تتشابه آثار تعطيلها. فالنفط يمتلك أسواقًا عالمية واسعة ومخزونات استراتيجية وبعض المسارات البديلة، بينما تواجه سلع أخرى قيودًا أشد تتعلق بتخصص سفن النقل، أو محدودية منافذ التصدير، أو ارتباط إنتاجها بمنشآت يصعب تعويضها سريعًا. ولذلك فإن تحسن حركة ناقلات الخام لا يعني بالضرورة تعافي الغاز المسال أو الأسمدة أو الغازات الصناعية. ففتح الطريق لا يعيد تشغيل المنشأة المتضررة، وعودة السفن لا تعني استعادة القدرة الإنتاجية، كما أن ارتفاع الأسعار لا يكفي وحده لإقناع شركات النقل بتحمل مخاطر قد تتجاوز العائد المتوقع. ومن هنا، ينبغي تقييم التعافي وفق حجم التدفقات الفعلية والقدرة الإنتاجية والمخزونات، لا وفق حركة الأسعار وحدها؛ إذ قد تتحسن مؤشرات سوق معينة بينما تستمر الاختناقات في قطاعات أخرى.²
وتكشف هذه الأزمة عن انتقال مهم في التفكير الجيوسياسي: من السيطرة على المجال إلى التأثير في الشبكات. فقد كانت الجغرافيا التقليدية تمنح اهتمامًا خاصًا للأرض والموانئ والمضائق والحدود، أما الجغرافيا الاقتصادية المعاصرة فتدفعنا إلى النظر أيضًا في الروابط التي تصل المورد بالمصنع، والمصنع بالسوق، والتكنولوجيا بالمواد اللازمة لتشغيلها. لا تحتاج الدولة، في جميع الحالات، إلى احتلال أرض أو فرض سيطرة دائمة على ممر كي تُحدث تأثيرًا دوليًا واسعًا؛ فقد تكفي زيادة مخاطر العبور حتى ترتفع تكاليف التأمين، وتتأخر الشحنات، وتتغير قرارات المستثمرين والمشترين. لكن القدرة على إحداث اضطراب لا تعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية أو تحقيق مكسب استراتيجي مستدام؛ إذ قد يؤدي الضغط المفرط إلى تسريع البحث عن البدائل وتقليل الاعتماد على المورد أو المسار المستخدم أداةً للضغط. وهنا يظهر الفرق بين قوة التعطيل وقوة تشكيل النظام: الأولى قد تربك الخصم، أما الثانية فتحتاج إلى قدرة أطول أمدًا على التأثير في الخيارات والقواعد والعلاقات الاقتصادية.³
وتظهر أهمية هذا الترابط بوضوح في الأسمدة، التي تبدو بعيدة عن الحسابات العسكرية الكبرى، لكنها تقف عند نقطة التقاء الطاقة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. فإنتاج كثير من الأسمدة النيتروجينية يرتبط بالغاز الطبيعي بوصفه مصدرًا للطاقة ولقيمًا صناعيًا، كما تعتمد تجارتها على ممرات النقل وتكاليف الشحن والتأمين. وعندما تتعطل الإمدادات أو ترتفع تكاليفها، يصل الأثر إلى المزارع الذي يواجه قرارًا صعبًا بين شراء مدخلات أكثر تكلفة وتقليل استخدامها. وإذا تزامن ذلك مع موسم زراعي لا يسمح بالتأجيل، فقد تتحول الصدمة التجارية إلى خسارة في الإنتاجية، ثم إلى ضغوط على أسعار الغذاء وميزانيات الدول المستوردة. ولا يحدث هذا الانتقال بالدرجة نفسها في جميع البلدان؛ فهو يتوقف على المخزونات، والقدرة الشرائية، ومواعيد الزراعة، وإمكانات الاستيراد البديل. ومع ذلك، فإن ارتباط الأسمدة بالطاقة والنقل يجعل أمن الغذاء متصلًا مباشرة بأمن الممرات البحرية، لا مجرد قضية زراعية داخلية.⁴
وتتضح الجغرافيا الخفية للقوة بصورة أشد عند الانتقال من الأسمدة إلى الهيليوم وأشباه الموصلات. فالهيليوم يدخل في تطبيقات صناعية وطبية وعلمية متخصصة، وتبرز أهميته الاستراتيجية في ارتباط جزء مهم من إمداداته بمعالجة الغاز الطبيعي، وفي صعوبة تعويض بعض استخداماته سريعًا. أما أشباه الموصلات، فهي ليست مجرد منتجات تقنية، بل بنية أساسية للاقتصاد الرقمي والاتصالات والصناعة الحديثة والأنظمة العسكرية. وتعتمد صناعتها على شبكة معقدة من المواد الكيميائية والغازات الصناعية والمعدات والطاقة والمياه، ما يجعل انتظام الإمدادات شرطًا لاستمرار الإنتاج.⁵ ولا يعني ذلك أن كل اضطراب في إمدادات الهيليوم يؤدي تلقائيًا إلى توقف مصانع الرقائق؛ إذ تتفاوت النتائج وفق حجم المخزونات والعقود والبدائل المتاحة. لكنه يكشف أن سلعة محدودة التداول قد تكتسب أهمية استراتيجية كبيرة عندما ترتبط بوظيفة يصعب الاستغناء عنها أو تعويضها في وقت قصير.
ولا تتوقف المشكلة عند الممرات البحرية أو المواد الخام، بل تمتد إلى مواقع المعالجة والتصنيع التي تتركز في عدد محدود من الدول. فقد تمتلك دولة احتياطيات معدنية كبيرة، لكنها تفتقر إلى تقنيات تكريرها، بينما تمتلك دولة أخرى قدرات المعالجة، وتحتفظ دولة ثالثة بالتكنولوجيا اللازمة لتحويل المواد إلى منتجات متقدمة. وتخلق هذه البنية مخاطر تتجاوز توافر الموارد في باطن الأرض، لتشمل استمرارية الصناعات التي تعتمد عليها.⁶ وبذلك تصبح المناجم والمصافي والموانئ ومصانع الرقائق حلقات في بنية استراتيجية واحدة، لا مواقع منفصلة. فالقوة لا تتحدد فقط بمن يمتلك المادة الخام، بل أيضًا بمن يستطيع معالجتها، ومن يملك التكنولوجيا اللازمة لاستخدامها، ومن يسيطر على المسارات التي تصل بها إلى الأسواق. وقد يتوزع النفوذ بين أطراف متعددة، بحيث لا يستطيع أي طرف ضمان استمرارية الإنتاج بمعزل عن بقية الشبكة.
ومن هنا تظهر حدود النموذج الاقتصادي الذي أعطى الأولوية للكفاءة وخفض التكاليف، من دون أن يمنح المرونة الاستراتيجية الوزن نفسه في جميع القطاعات. فقد أدى الاعتماد على موردين محدودين وتقليص المخزونات وتكثيف الترابط التجاري إلى مكاسب اقتصادية واضحة في الظروف الطبيعية، لكنه جعل بعض الصناعات أكثر عرضة للصدمات المفاجئة. ومع ذلك، لا يكمن الحل في الانغلاق الاقتصادي أو محاولة إنتاج جميع السلع محليًا، فذلك قد يرفع التكاليف ويبدد الموارد من دون أن يحقق استقلالًا حقيقيًا. والأجدى هو تحديد المواد التي يؤدي انقطاعها إلى تعطيل واسع، وتنويع مصادرها، وبناء مخزونات تتناسب مع زمن تعويضها، وتطوير مسارات بديلة للنقل والإمداد. فالمرونة لا تعني الاستغناء عن الأسواق العالمية، بل امتلاك القدرة على مواصلة العمل عندما تتعطل بعض روابطها، مع تحقيق توازن بين كلفة الاستعداد للأزمات وكلفة ترك الاقتصادات مكشوفة أمامها.⁷
وتكشف حروب الاختناق، في نهاية المطاف، أن الجغرافيا لم تفقد أهميتها في عصر التكنولوجيا، بل أصبحت أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا. فالمضيق البحري يتصل بمنشأة إنتاج، والمنشأة تعتمد على الطاقة، والطاقة تغذي صناعة الأسمدة أو المعادن، وهذه الصناعات تمد قطاعات أخرى بمدخلات لا يمكن تعويضها بالسرعة نفسها. ومن ثم، فإن أي تحليل استراتيجي يقتصر على حجم صادرات النفط أو عدد السفن العابرة يظل عاجزًا عن فهم الأثر الكامل للأزمات. المطلوب هو النظر إلى الاقتصاد بوصفه شبكة من الاعتمادات المتبادلة، وتحديد العقد التي يمكن أن يؤدي تعطلها إلى انتقال الصدمة من قطاع إلى آخر، ثم قياس قدرة الدول على احتواء هذه الآثار واستعادة النشاط. فليس كل اختناق كارثة شاملة، وليس كل اضطراب أداة ناجحة للنفوذ؛ إنما تتوقف النتائج على مدة التعطل، ودرجة الاعتماد، وسرعة التكيف، وتوافر البدائل، وطبيعة الروابط بين القطاعات المتضررة.
وفي هذا السياق، لا يعني صعود المواد الحرجة أن النفط فقد مكانته، ولا أن الرقائق أصبحت بديلًا عن القوة العسكرية؛ بل إن مصادر القوة باتت أكثر ترابطًا، بحيث لا يمكن فصل الأمن العسكري عن الأمن الاقتصادي والتكنولوجي. فقد تمنح الموارد دولةً وزنًا تفاوضيًا، لكن هذا الوزن يتراجع إذا عجزت عن نقلها أو تصديرها، كما قد تمنح السيطرة على تقنية متقدمة نفوذًا واسعًا، لكنه يظل معرضًا للقيود إذا افتقرت الصناعة إلى المواد والطاقة والمعدات اللازمة. ولهذا لا ينبغي الخلط بين امتلاك نقطة اختناق والقدرة على التحكم الدائم في نتائجها؛ فالضغط قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه قد يدفع الآخرين إلى تنويع الموردين وتسريع الاستثمار في البدائل. إن القوة الأكثر استدامة ليست القدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي فحسب، بل القدرة على حماية تدفقات الموارد والتكنولوجيا، وامتصاص الصدمات، واستعادة الإنتاج، ومنع الاختناق الموضعي من التحول إلى هشاشة استراتيجية شاملة.
الهوامش:
- International Energy Agency. (2025). Gas 2025: Analysis and forecast to 2030. International Energy Agency.
- United Nations Conference on Trade and Development. (2024). Review of maritime transport 2024: Navigating maritime chokepoints. United Nations.
- Farrell, H., & Newman, A. L. (2019). Weaponized interdependence: How global economic networks shape state coercion. International Security, 44(1), 42–79.
- Food and Agriculture Organization of the United Nations. (2022). The importance of Ukraine and the Russian Federation for global agricultural markets and the risks associated with the current conflict. FAO.
- U.S. Geological Survey. (2025). Mineral commodity summaries 2025: Helium. U.S. Department of the Interior.
- International Energy Agency. (2025). Global critical minerals outlook 2025. International Energy Agency.
- International Energy Agency. (2024). Global critical minerals outlook 2024. International Energy Agency.


