مقالات

من إدارة الصراع إلى هندسة الأمن الإقليمي: الحوثيون والسعودية والعراق وإعادة تشكيل موازين النفوذ في الشرق الأوسط

لم تعد التحولات الأمنية في الشرق الأوسط قابلة للفهم من خلال قراءة الصراعات المحلية باعتبارها أزمات منفصلة، أو التعامل مع التوترات بين الدول والفاعلين من غير الدول باعتبارها مواجهات محدودة النطاق. فقد أفرزت السنوات الأخيرة شبكة معقدة من التفاعلات الجيوسياسية التي تتداخل فيها اعتبارات الأمن الوطني مع حسابات النفوذ الإقليمي، وتتشابك فيها الجغرافيا العسكرية مع المصالح الاقتصادية وأمن الممرات البحرية. وفي قلب هذه المعادلة تبرز العلاقة بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) والمملكة العربية السعودية والعراق، باعتبارها أحد المؤشرات الدالة على طبيعة التحولات التي تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية للمنطقة.

تكمن أهمية هذه المعادلة في أن أطرافها الثلاثة لا تتحرك داخل مسارات متوازية، وإنما ضمن شبكة من المصالح والارتباطات المتبادلة. فالحوثيون يمثلون نموذجاً لفاعل من غير الدول تمكن من التحول إلى قوة سياسية وعسكرية تسيطر على جزء مهم من الجغرافيا اليمنية، وتمتلك أدوات ضغط تتجاوز حدود الصراع الداخلي. والسعودية تسعى إلى إعادة ضبط بيئتها الأمنية بما ينسجم مع أولوياتها التنموية والاستراتيجية، بينما يجد العراق نفسه أمام اختبار مستمر يتعلق بقدرته على استعادة استقلالية قراره السياسي والأمني، والتحول من ساحة للتنافس الإقليمي إلى طرف فاعل في صياغة التوازنات المحيطة به.

لقد مثّل استيلاء الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014 نقطة تحول جوهرية في بنية الصراع اليمني، إذ انتقلت الجماعة من موقع الفاعل المحلي الذي ينازع السلطة المركزية إلى قوة تمتلك أدوات السيطرة على مؤسسات الدولة ومقدراتها العسكرية والاقتصادية. ولم يكن هذا التحول مجرد تطور داخلي يخص اليمن، بل حمل تداعيات مباشرة على الأمن القومي السعودي، خصوصاً في ظل الحدود الجغرافية المشتركة، وما يترتب عليها من احتمالات انتقال التهديدات العسكرية والأمنية. ومع التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية في مارس 2015، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، كشفت تدريجياً عن محدودية القدرة على تحويل التفوق العسكري التقليدي إلى نتائج سياسية مستدامة في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات المحلية والإقليمية.

غير أن التحول الأكثر أهمية في طبيعة التهديد الحوثي تمثل في توظيف الجغرافيا اليمنية باعتبارها أداة للضغط الاستراتيجي. فالموقع المطل على البحر الأحمر وباب المندب يمنح الجماعة قدرة على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة الدولية، ويجعل تداعيات تحركاتها تتجاوز الحسابات السعودية واليمنية إلى مصالح القوى الاقتصادية الكبرى. وقد كشفت الهجمات على السفن التجارية منذ أواخر عام 2023 عن انتقال الصراع إلى مستوى مختلف، لم تعد فيه السيطرة على الأرض وحدها معيار النفوذ، بل أصبحت القدرة على التأثير في حركة التجارة والملاحة الدولية مصدراً إضافياً للقوة السياسية والاستراتيجية.

وهنا تتجلى المفارقة الجيوسياسية؛ فاليمن الذي يعاني من تفكك مؤسسات الدولة وتدهور أوضاعه الاقتصادية والإنسانية، أصبح يمتلك، بحكم موقعه الجغرافي، قدرة غير متناسبة مع حجمه الاقتصادي على التأثير في حركة التجارة العالمية. كما أن التهديد الذي تواجهه الملاحة في البحر الأحمر لا يمكن فصله عن أمن قناة السويس والاقتصاد المصري، ولا عن حسابات أمن الطاقة والتجارة الأوروبية والآسيوية. وبذلك تحولت الجغرافيا اليمنية من نطاق جغرافي للصراع الداخلي إلى نقطة ارتكاز في معادلة الأمن البحري الدولي، وأصبح الفاعل المحلي قادراً على استدعاء تدخلات دولية وتغيير حسابات القوى الكبرى.

في المقابل، شهدت المقاربة السعودية تحولاً تدريجياً من الرهان على الحسم العسكري إلى إعادة معايرة أدوات التعامل مع التهديد الحوثي. ولا يعني ذلك التخلي عن اعتبارات الردع أو القبول بتوازن أمني تفرضه الجماعة، وإنما يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الحرب المفتوحة يرفع كلفة الأمن الوطني، ويستنزف الموارد، ويؤثر في البيئة الاستثمارية والتنموية التي تمثل أحد مرتكزات التحول الاقتصادي السعودي. ومن ثم أصبحت التهدئة وإدارة التفاوض وتوسيع قنوات الاتصال أدوات أساسية في السياسة السعودية، بالتوازي مع الاحتفاظ بالقدرات الدفاعية اللازمة لمواجهة أي تهديد محتمل.

وقد وفرت المصالحة السعودية الإيرانية التي أُعلنت في بكين في مارس 2023 بيئة سياسية أكثر ملاءمة لخفض التوترات الإقليمية، وفتحت المجال أمام إعادة بناء قنوات الاتصال بين قوتين رئيسيتين في المنطقة. لكن من الخطأ الاستراتيجي التعامل مع هذا التقارب باعتباره تسوية نهائية للتنافس السعودي الإيراني، أو ضمانة تلقائية لضبط سلوك جميع الفاعلين المرتبطين بطهران. فالعلاقات بين الدول والفاعلين من غير الدول لا تقوم بالضرورة على التطابق الكامل في الأهداف والحسابات، كما أن الحوثيين يمتلكون مصالح وحسابات يمنية خاصة، حتى مع استمرار الدعم الإيراني وما يتيحه من إمكانات سياسية وعسكرية. ولذلك فإن استقرار العلاقة السعودية الحوثية يظل مرتبطاً بمدى قدرة التفاهمات الإقليمية على التحول إلى ترتيبات يمنية قابلة للاستمرار.

ومن هذه الزاوية تبرز أهمية العراق باعتباره حلقة استراتيجية في شبكة التوازنات الإقليمية، وليس مجرد طرف يتأثر بما يجري في اليمن أو الخليج. فالموقع الجغرافي للعراق يجعله نقطة اتصال بين إيران والخليج وبلاد الشام، كما أن تركيبته السياسية والأمنية بعد عام 2003 جعلته أحد أكثر المجالات الإقليمية تأثراً بتداخل النفوذ الخارجي مع مراكز القوة الداخلية. وتكمن المعضلة العراقية في أن امتلاك الدولة لمؤسسات دستورية وسياسية لا يعني بالضرورة احتكارها الكامل لقرار الحرب والسلم، خصوصاً في ظل تعدد الفاعلين المسلحين وتفاوت ارتباطاتهم السياسية والإقليمية.

إن التحدي الحقيقي أمام بغداد لا يتمثل في الاختيار بين السعودية وإيران، ولا في الانحياز إلى محور إقليمي على حساب آخر، بل في بناء سياسة خارجية متوازنة تستند إلى استقلال القرار الوطني، وتمنع استخدام الأراضي العراقية أو مؤسسات الدولة في إدارة صراعات الآخرين. فالعراق الذي يستطيع إقامة علاقات استراتيجية مع الرياض وطهران في آن واحد، على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة، يمكنه أن يتحول من ساحة تنافس إلى منصة للحوار والتكامل الاقتصادي والأمني. وقد وفرت تطورات العلاقات السعودية العراقية ومجلس التنسيق المشترك أساساً مؤسسياً مهماً لهذا الاتجاه، غير أن الاختبار الحقيقي يظل في الانتقال من الاتفاقات والتصريحات الدبلوماسية إلى مشروعات اقتصادية وتفاهمات أمنية قابلة للتنفيذ.

ولا تنفصل هذه المعادلة عن طبيعة التنافس الإيراني السعودي، الذي لم يعد مقتصراً على أدوات النفوذ التقليدية، بل أصبح يمتد إلى شبكات التحالفات والقوى المسلحة والممرات الاستراتيجية ومجالات التأثير السياسي والإعلامي. وفي هذا السياق، يمثل العراق واليمن مجالين مختلفين من حيث طبيعة الصراع، لكنهما متصلان ضمن بيئة أمنية واحدة. فاستقرار العراق يحد من فرص توظيف أراضيه في التصعيد الإقليمي، كما أن تسوية الأزمة اليمنية تقلص قدرة الأطراف المتنافسة على استخدام البحر الأحمر ورقة ضغط في علاقاتها الدولية والإقليمية.

وهذا الترابط يتوافق مع منطق نظرية مجمع الأمن الإقليمي التي طورها باري بوزان وأولي ويفر، والتي تنطلق من أن أمن الدول داخل الإقليم يتشكل عبر أنماط متداخلة من الصداقة والعداء، وأن التهديدات لا تتوقف عند الحدود السياسية للدول. ومن هذا المنظور، لا يمكن تحقيق أمن سعودي مستدام بمعزل عن استقرار اليمن، ولا يمكن بناء شراكة خليجية عراقية متماسكة دون تعزيز سيادة الدولة العراقية، كما لا يمكن تأمين البحر الأحمر من خلال الإجراءات العسكرية وحدها، ما دامت البيئة السياسية التي تنتج التهديدات قائمة.

وتكشف هذه المعطيات أن معادلة التصعيد والاحتواء تواجه معضلة استراتيجية مزدوجة. فالتصعيد قد يمنح الفاعلين قدرة على تحسين شروط التفاوض وإظهار النفوذ، لكنه يرفع في الوقت ذاته احتمالات المواجهة غير المحسوبة ويهدد المصالح الاقتصادية والتجارية. أما الاحتواء فيخفض كلفة الصراع ويتيح إعادة بناء الثقة، لكنه قد يتحول إلى مجرد تجميد مؤقت للأزمات إذا لم يقترن بمعالجة أسبابها السياسية والأمنية. ومن ثم فإن التهدئة السعودية الحوثية، والتقارب السعودي الإيراني، والانفتاح السعودي على العراق، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مسارات منفصلة، بل باعتبارها عناصر مترابطة في عملية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية للمنطقة.

وعلى مستوى المستقبل، تظل المنطقة أمام ثلاثة مسارات محتملة: الأول يتمثل في نجاح التسويات السياسية وتوسيع التعاون السعودي العراقي واستمرار خفض التوتر السعودي الإيراني، بما يسمح بإنشاء ترتيبات أمنية أكثر استقراراً. والثاني هو استمرار إدارة الأزمات دون حل جذورها، بحيث تبقى التهدئة قائمة ولكنها قابلة للانهيار عند أول اختبار إقليمي كبير. أما الثالث فيتمثل في عودة التصعيد العسكري واتساع نطاق المواجهة في اليمن والبحر الأحمر، مع انعكاسات محتملة على العراق وأمن الخليج والمصالح الدولية. ويبدو مسار إدارة الأزمات هو الأقرب في المدى المنظور، ما لم تحدث اختراقات سياسية تعالج جذور الصراعات القائمة.

إن تجاوز هذه المعضلة يتطلب الانتقال من دبلوماسية التهدئة المؤقتة إلى بناء إطار إقليمي للحوار الأمني، يقوم على احترام السيادة وعدم استخدام أراضي الدول لتهديد جيرانها، وتطوير آليات للإنذار المبكر وإدارة الأزمات وتأمين الممرات البحرية. كما يتطلب دعم تسوية يمنية شاملة لا تختزل الأزمة في التفاهمات الثنائية بين الرياض والحوثيين، وتعزيز قدرة الدولة العراقية على توحيد القرار الأمني، وتفعيل الشراكات الاقتصادية بين العراق ودول الخليج باعتبارها أدوات لبناء المصالح المتبادلة وتقليل دوافع الصراع.

وفي ضوء ما تم عرضه، لا تكمن القضية الاستراتيجية في قدرة الحوثيين على التصعيد، أو قدرة السعودية على الاحتواء، أو قدرة العراق على موازنة علاقاته الإقليمية فحسب، وإنما في طبيعة النظام الأمني الذي ستنتجه هذه التفاعلات مجتمعة. فالشرق الأوسط يقف أمام اختبار يتجاوز إدارة الخصومات التقليدية إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن ذاته: من حماية الحدود إلى حماية شبكات المصالح والممرات الحيوية، ومن موازين القوة العسكرية إلى توازنات النفوذ السياسي والاقتصادي، ومن التفاهمات الثنائية المؤقتة إلى ترتيبات إقليمية أكثر شمولاً. وبقدر ما تنجح الأطراف في تحويل أدوات الضغط إلى قواعد للتفاهم، يمكن أن تنتقل المنطقة من إدارة الصراع إلى هندسة الأمن الإقليمي؛ أما استمرار التعامل مع الأزمات باعتبارها ملفات منفصلة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج عدم الاستقرار بأدوات وأشكال جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى