مقالات

د. هاني الحديثي: في مشهد الحرب والسلام مع إيران


بين تخوّف إيران من الحرب، وهو تخوّف تشاركها فيه بلدان الخليج العربي، بسبب الضغوط الاقتصادية الكبيرة، وهشاشة الاقتصاد الإيراني، واحتمالات تحوّل الحرب إلى دمار واسع متبادل، تبرز فرص التوقيع على اتفاقية مبادئ عامة، تُناقَش تفاصيلها حاليًا في أعلى المستويات داخل الإدارة الأمريكية، إثر الدبلوماسية النشطة التي بذلتها إسلام آباد، وبدعم من الصين ودولة قطر.

يشير المشهد الآن إلى احتمالين رئيسيين:

الاحتمال الأول:
الموافقة على إعلان مبادئ يضع حدًا للحرب، ابتداءً بإعلان وقفها على جميع الجبهات، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، كخطوة أساسية نحو مناقشة قضايا الحرب الجوهرية ذات الصلة، وخاصة برنامج إيران النووي.

وتشير المعلومات إلى قبول إيراني باتفاق سلام، مع التعهّد بإيقاف تخصيب اليورانيوم عند درجات مقبولة لمدة محددة، قد تقترب من عشر سنوات مقبلة.

غير أن هذا الاحتمال يثير العديد من الأسئلة حول الأهداف التي أعلنها ترامب منذ البداية، وخلاصتها: انتزاع اليورانيوم المخصب من إيران، وتحجيم الصواريخ الباليستية الإيرانية، ووضع حدّ أو احتواء وكلاء إيران في المحيط الإقليمي، حيث تتواجد الأذرع الإيرانية في لبنان، المشتعل بحرب بين إسرائيل وحزب الله بسبب موقف الأخير المساند لإيران، إضافة إلى الأذرع الأخرى المهددة للأمن الإقليمي، وخاصة بلدان الخليج العربي، من العراق واليمن.

هذا فضلًا عن السعي إلى تغيير النظام السياسي في إيران، وهي دعوة انتقلت من تغييره بالأدوات الصلبة إلى دعم التغيير السلمي للنظام من الداخل.

الاحتمال الثاني:
أن تدفع خشية ترامب من التداعيات السلبية داخل الولايات المتحدة، التي تستعد للانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، إلى رفض الرضوخ لمطالب إيرانية، بما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة لصالح الديمقراطيين والمعارضين لهذه الحرب حول جدوى الذهاب إليها، دون القدرة على تحقيق المقاصد المعلنة منذ اليوم الأول.

ويضاف إلى ذلك الضغط الذي يمارسه اللوبي الصهيوني ومنظمة «إيباك» داخل الولايات المتحدة، دعمًا لرغبة نتنياهو في حسم الموقف عبر توجيه ضربات شاملة لإيران.

وقد يدفع هذا الأمر ترامب إلى الذهاب نحو توجيه ضربات مدمّرة وشاملة للاقتصاد الإيراني والمنشآت الحيوية، بما يحقق شللًا كليًا للنظام الإيراني.

غير أن هذا الخيار يحمل مخاوف جدية من لجوء إيران إلى استخدام جميع قدراتها لإشعال محيطها الإقليمي، بالتنسيق مع وكلائها في بلدان المشرق العربي، كرد فعل طبيعي على استهداف قدراتها ومنشآتها. وهو ما يثير مخاوف جدية من شلل قد يصيب الاقتصاد العالمي، فضلًا عن المخاوف الكبيرة لدى بلدان الخليج العربي، التي تواصل مساعيها لإقناع جميع الأطراف بالذهاب نحو التهدئة، وهو ما عبّرت عنه الاتصالات المستمرة من قبل ترامب مع زعماء بلدان الخليج العربي.

وتأسيسًا على ما تقدم، فإن الذهاب إلى القبول بالحل الدبلوماسي، المتمثل باتفاق مبادئ مضمون دوليًا من خلال الصين، التي دخلت على خط الوساطة ومارست الضغط عبر حليفتها باكستان، قد يشكل شعورًا بتحقيق النصر بالنسبة لترامب، قائمًا على الدعاية الإعلامية والحرب النفسية، وذلك استنادًا إلى ما يأتي:

1. إلزام إيران بتعهّد مضمون بالتخلي عن نسب التخصيب العالي لليورانيوم المخصب، وتخفيضه إلى أدنى حد مقبول، وربما بما لا يزيد على 20%.

2. فتح مضيق هرمز، وتنفيذ الخطوات الأخرى المذكورة سلفًا في الاحتمال الأول.

إن ما تقدم ستعدّه إيران انتصارًا لها، كونها أفشلت ما تصدّى ترامب لتحقيقه منذ اليوم الأول للحرب. وفي الوقت ذاته، سيبدو ذلك إعلاميًا انتصارًا إيرانيًا على مقاصد حكومة نتنياهو ضد النظام الإيراني.

وفي هذه الحالة، فإن كل البنود الخاصة بوكلاء إيران تكون قد أُلغيت، أو على الأقل جرى تأجيلها حاليًا، وإعادة النظر فيها لصالح بقاء هذه الأذرع الإيرانية إلى حين مناقشتها في مرحلة لاحقة. وبمعنى آخر، سيستمر حزب الله في تنفيذ أجندته خارج نطاق الدولة اللبنانية، وكذلك الحال بالنسبة للأذرع الإيرانية في العراق واليمن.

وقد بدأ ذلك واضحًا من خلال التأكيدات الإيرانية لحزب الله ووكلائها في المنطقة باستمرار دعمها لهم، بالتوازي مع مفاوضاتها مع الإدارة الأمريكية. وهو الأمر الذي شجّع حزب الله اللبناني على تحدي الحكومة اللبنانية، ومطالبتها بالانسحاب من المفاوضات الجارية مع إسرائيل بإشراف أمريكي رسمي، والتهديد بإسقاطها في حال عدم تلبية هذا المطلب، من خلال النزول إلى الشوارع.

لذلك، ستبدو المسألة وكأنها حرب لم تحقق مقاصدها، وإنما أدت فقط إلى إحداث ارتدادات سلبية على الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يعني التأثير سلبًا على هيبة الولايات المتحدة ودورها على الصعيد العالمي، بوصفها قوة مهيمنة على النظام الدولي.

وهذا ما يدفعنا إلى الشك في إمكانية عقد اتفاقية شاملة وشيكة بين الإدارة الأمريكية وإيران، أو على الأقل الاعتقاد بأنها ستأخذ وقتًا طويلًا، تكون فيه إيران قادرة على ممارسة دهائها في تمرير مقاصدها، عبر اللعب على ورقة ضغط الوقت بالنسبة لإدارة ترامب، وهي تتجه نحو الانتخابات النصفية في نوفمبر من هذا العام.

وهنا يبرز السؤال:

هل إن ترامب مستعد لتحمّل هذا الموقف؟

هذا ما سوف تجيب عنه الأيام المقبلة.


*استاذ السياسة الخارجية و العلاقات الدولية  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى