قضايا وتحليلات

د. عماد عنان يكتب: خلف أزمة السفير.. ماذا تريد القاهرة من دمشق الجديدة؟

تلوح أزمة جديدة في أفق العلاقات المصرية السورية، بعد ما كشفته بعض وسائل الإعلام عن تحفظات مصرية على تسمية محمد طه الأحمد سفيرًا جديدًا لسوريا لدى القاهرة، إلى جانب تحفظات أخرى طالت عددًا من أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية المرشحة للعمل في السفارة السورية بمصر.

وبحسب ما تم تداوله، فإن هذه التحفظات نُقلت إلى دمشق عبر قنوات غير رسمية، ما أدى إلى تأخير استكمال إجراءات مباشرة البعثة الدبلوماسية السورية لمهامها، لا سيما في ظل ما يُثار عن تمسك الجانب السوري بمرشحه، الأمر الذي أضفى مزيدًا من التعقيد على الملفات المرتبطة بإعادة تنظيم الحضور الدبلوماسي السوري في القاهرة.

وتأتي هذه التطورات في لحظة كان يُفترض أن تشهد فيها العلاقات المصرية السورية قدرًا أكبر من الانفتاح والتنسيق، بعد سلسلة من اللقاءات والزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين خلال الفترة الماضية، وما رافقها من مؤشرات على رغبة مشتركة في دفع التعاون، خاصة على المستوى الاقتصادي والتجاري.

التحفظ المصري على السفير السوري الجديد وإن بدا كخلاف بروتوكولي عابر حول اسم دبلوماسي، فإنه يعكس في جوهره حدود الانفتاح المصري على سوريا الجديدة، وسقف التقارب المشروط بحزمة من الهواجس الأمنية والسياسية، وتراجع منسوب الثقة بين الجانبين، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تعثر مؤقت في مسار تطبيع العلاقات المصرية السورية، أم أن التحفظ على السفير يكشف عن أزمة أعمق في رؤية القاهرة لدمشق وحدود التعامل معها؟ فإلى أين تتجه العلاقات بين البلدين؟

مساران في التعامل.. محاولة لفهم السياق

تكشف هذه الأزمة البروتوكولية في مظهرها، منذ بدايتها، أن العلاقات بين مصر وسوريا لا تتحرك في مسار واحد، بل تسير على خطين متوازيين بسرعات مختلفة؛ أولهما اقتصادي، وهو المسار الذي يبدو حتى الآن الأكثر قابلية للتفاهم بين البلدين، في ظل حاجة كل طرف إلى الآخر خلال لحظة إقليمية واقتصادية شديدة الحساسية.

فدمشق الجديدة تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا مهمًا، ونافذة يمكن أن تساهم في إنعاش الاقتصاد السوري، وفتح مساحات أوسع للتبادل التجاري والاستثماري، وفي المقابل، ترى القاهرة في سوريا الجديدة فرصة لا يمكن تجاهلها، سواء عبر ملف إعادة الإعمار، أو من خلال محاولة استثمار التحولات الجارية داخل سوريا لتعزيز حضورها الاقتصادي في بلد يمتلك موقعًا استراتيجيًا وموارد وفرصًا كامنة.

أما المسار الثاني، فهو المسار السياسي والدبلوماسي والأمني، وهو الأكثر بطئًا وحساسية، إذ تتحرك القاهرة فيه بخطوات محسوبة، في ظل حالة من الحذر والترقب تجاه تركيبة السلطة الجديدة في دمشق، وخلفياتها الإسلامية، وطبيعة خطابها السياسي، وصلاتها الإقليمية. لذلك لا تقيس مصر تقاربها مع سوريا بمنطق المصالح وحدها، بل بمنطق الأمن والطمأنة واختبار النوايا.

ورغم الفجوة الواضحة بين المسارين، فإن ذلك لا يعني وجود تعارض كامل بينهما، فبنظرة براغماتية، يدرك كل طرف ثقل الطرف الآخر وأهميته داخل المعادلة الإقليمية، فلا تريد مصر ترك الساحة السورية لقوى أخرى ربما تتقاطع مع مصالحها الإقليمية، وسوريا لا تستطيع تجاهل وزن القاهرة عربيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

لماذا التحفظ على الأحمد؟

تجدر الإشارة، ابتداءً، إلى أن القاهرة لم تُبدِ تحفظها على ترشيح الأحمد بصورة رسمية معلنة، وإنما عبر قنوات غير رسمية، وفق ما يتم تداوله إعلاميًا، كما أن جوهر الاعتراض المصري قد لا يكون مرتبطًا بشخص السفير المقترح وحده، بقدر ما يرتبط بالخلفية السياسية والفكرية التي يمثلها، وبموقعه داخل بنية السلطة الجديدة في دمشق.

فالتحفظ المصري الأبرز يبدو متصلًا بخلفية الأحمد السياسية، وعلاقته الوثيقة بدوائر صنع القرار في النظام السوري الجديد، فمن منظور القاهرة، لا يأتي الرجل من خلفية دبلوماسية تقليدية متدرجة، بل من بيئة سياسية وأيديولوجية ذات طابع إسلامي ثوري، وهي بيئة تثير حساسية عميقة لدى النظام المصري، الذي ينظر إلى هذا النوع من الخلفيات باعتباره ملفًا أمنيًا وسياسيًا بالغ الحساسية، لا مجرد تفصيل في السيرة الذاتية لمرشح دبلوماسي.

وعليه، فإن ترشيح الأحمد يلامس مباشرة الحساسية المصرية التاريخية من تيارات الإسلام السياسي بمختلف مشاربها، لا سيما في ظل ما يُثار عن ملاحظات مصرية مرتبطة بعلاقاته خلال فترة دراسته في مصر، وهي مرحلة تزامنت مع حكم جماعة الإخوان عام 2012، ورغم أن هذه المعطيات لم تُطرح في سياق رسمي معلن، فإنها تضيف إلى التحفظ المصري بُعدًا أمنيًا ورمزيًا يتجاوز شخص السفير إلى الرسالة التي يحملها اختياره.

ومن هنا، لا تنظر القاهرة إلى هذا الترشيح بوصفه مجرد خطوة إدارية لاستكمال التمثيل الدبلوماسي، بل باعتباره إشارة سياسية ذات دلالة،  فاختيار شخصية بهذا المسار والخلفية قد يُقرأ مصريًا كاختبار لمدى استعداد القاهرة للتعامل مع نخبة سورية جديدة تحمل إرثًا ثوريًا وإسلاميًا، في لحظة لا تزال فيها الدولة المصرية شديدة الحساسية تجاه أي امتداد، مباشر أو غير مباشر، لتجارب ما بعد الربيع العربي.

إذًا ماذا تريد القاهرة؟

بات واضحًا أن القاهرة تبحث في سفير سوريا الجديدة عن شخصية أقل إثارة للحساسية، وأقرب إلى نمط الدبلوماسية التقليدية الهادئة، بعيدًا عن أي خلفية أيديولوجية ذات طابع ثوري أو إسلامي، فهي لا تريد سفيرًا يفتح معها اختبارًا سياسيًا جديدًا، بقدر ما تريد شخصية تبعث برسائل طمأنة وتساعد على بناء الثقة.

ومن هنا، تبدو التحفظات المصرية رسالة غير مباشرة إلى دمشق مفادها أن القاهرة تنتظر منها إشارات أوضح بشأن موقع ذوي الخلفيات الإسلامية داخل بنية السلطة السورية الجديدة، وحدود نفوذها في دوائر صنع القرار، فالمسألة لا تتعلق بالتمثيل الدبلوماسي وحده، بل بما يعكسه هذا التمثيل من توازنات داخل النظام السوري الجديد، وبطبيعة الرسالة التي تريد دمشق إرسالها إلى مصر والمنطقة.

وتزداد هذه الحساسية في ضوء بعض المواقف التي أعقبت تولي السلطة الجديدة في سوريا عقب الإطاحة بنظام الأسد، وهي مواقف أثارت قلق القاهرة ودفعتها إلى التعامل بحذر أكبر مع التحول السوري، ورغم أن دمشق سارعت لاحقًا إلى احتواء بعض هذه الإشارات وتخفيف آثارها، فإن رواسبها لا تزال حاضرة في الحسابات المصرية، وتؤثر في مستوى الثقة وسرعة الانفتاح.

وعليه، لا ترغب مصر في أن تمثل سوريا بثوبها الجديد داخل القاهرة شخصية ذات هوية إسلامية أو جهادية أو ثورية واضحة، لأن ذلك قد يُقرأ مصريًا باعتباره امتدادًا رمزيًا لتجارب الإسلام السياسي بعد عام 2011، وهي التجارب التي لا تزال تمثل مصدر قلق عميق لصانع القرار المصري.

بمعنى آخر، تريد القاهرة من دمشق أن تقول بوضوح إن سوريا الجديدة دولة مؤسسات لا دولة تيارات، وأن بعثتها الدبلوماسية في مصر ستعكس وجهًا رسميًا هادئًا ومطمئنًا، لا واجهة أيديولوجية تعيد فتح ملفات الربيع العربي والإسلام السياسي من بوابة العلاقات المصرية السورية، وهي الرسالة التي أكدتها دمشق أكثر من مرة قبل ذلك لكن يبدو أنها لاتزال تشكل هاجسًا لدى الجانب المصري.

هل يمكن للاقتصاد أن يقود الدفة منفردًا؟

يمثل الاقتصاد الضلع الأبرز في معادلة التقارب المصري السوري، وربما الساحة الأكثر قابلية للتفاهم بين البلدين، والأرضية المشتركة الأوسع لإبقاء العلاقات في حالة من الدفء والهدوء، رغم العثرات التي تعترض المسار السياسي والدبلوماسي، فمصر، التي تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة، لا ترغب بأي حال في أن تُستبعد من ملف إعادة الإعمار السوري، باعتباره فرصة محتملة لتحريك قطاعات من الاقتصاد المصري وفتح مجالات جديدة أمام الشركات والاستثمارات، كما أنها لا تريد، في الوقت نفسه، أن تترك الساحة السورية لقوى إقليمية أخرى، مثل تركيا أو بعض دول الخليج، بما قد يقلص من حضورها ونفوذها داخل واحدة من أهم الساحات العربية.

ومن هنا، تحاول القاهرة التمسك بالمسار الاقتصادي باعتباره بوابة عملية للتقارب مع دمشق، ومساحة أقل حساسية من السياسة، يمكن من خلالها بناء مصالح متبادلة وتوسيع نطاق التواصل بين البلدين، حتى في ظل استمرار التحفظات على المستوى الدبلوماسي والأمني، لكن السؤال الأهم يبقى: هل يكفي الاقتصاد وحده لصناعة تقارب مستقر بين مصر وسوريا؟ وهل يمكن للمصالح الاقتصادية أن تحل محل الدبلوماسية في إدارة العلاقة بين البلدين؟

الإجابة تبدو أقرب إلى النفي، فالاقتصاد قد يفتح الأبواب، وقد يخفف التوتر، وقد يمنح الطرفين سببًا عمليًا للاستمرار في التواصل، لكنه لا يستطيع وحده أن يعوّض غياب الثقة السياسية أو يعالج الهواجس الأمنية العالقة، كما أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على المصالح الاقتصادية فقط، بل تحتاج أيضًا إلى غطاء سياسي واضح، وقنوات دبلوماسية مستقرة، وحد أدنى من التفاهم حول الملفات الحساسة.

وعليه، فإن كلا البلدين بحاجة إلى منح الدبلوماسية متنفسًا أوسع، لا باعتبارها بديلًا عن الاقتصاد، بل باعتبارها الإطار الذي يحميه ويمنحه عمقًا واستمرارية، فالمسار الاقتصادي يمكن أن يكون محفزًا للتقارب، لكنه سيظل محدود الأثر ما لم يواكبه انفتاح سياسي محسوب، يبدد الشكوك، ويمنح العلاقة المصرية السورية فرصة حقيقية للانتقال من التعاون الحذر إلى الشراكة المستقرة.

ماذا عن السلطة السورية؟

رغم أن التحفظ المصري لم يتجاوز، حتى الآن، حدوده غير الرسمية والتشاورية، فإن دمشق تبدو أمام خيارين أساسيين في التعامل مع الأزمة، الخيار الأول أن تستجيب للهواجس المصرية عبر إعادة النظر في اسم السفير المقترح، والبحث عن شخصية أخرى ذات طابع دبلوماسي أو تكنوقراطي أقل حساسية، وأكثر قدرة على طمأنة القاهرة، ومن المؤكد أن خطوة كهذه ستُقرأ مصريًا باعتبارها رسالة تقدير ومرونة من دمشق، وقد تساهم في تخفيف حدة التوتر وفتح الباب أمام استكمال ترتيبات البعثة الدبلوماسية بصورة أكثر سلاسة.

أما الخيار الثاني، فهو تمسك دمشق بمرشحها الحالي انطلاقًا من حقها السيادي في اختيار من يمثلها دبلوماسيًا في الخارج، غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته من الناحية السيادية، قد يقود عمليًا إلى إطالة أمد التعطيل في عمل البعثة السورية بالقاهرة، خاصة إذا استمرت مصر في تحفظاتها، وهو ما قد يترك أثرًا سلبيًا على مستقبل العلاقة بين البلدين في مرحلة تحتاج فيها دمشق إلى توسيع شبكة قبولها العربي لا تضييقها.

وعلى الأرجح، ستجد دمشق نفسها أقرب إلى الخيار الأول، لا سيما أن مصلحة البلدين لا تكمن في توتير الأجواء بعد مؤشرات التقارب التي شهدتها العلاقات مؤخرًا، وفي ظل تحديات إقليمية مشتركة تدفع الجميع إلى تعظيم فرص التواصل وتقليل مساحات الخلاف قدر الإمكان.

وفي هذا السياق، من المتوقع أن تتعامل دمشق مع الملف ببراغماتية واضحة، فتسعى إلى تجنب تداعيات الخلاف مع القاهرة وتفادي تعطيل بعثتها الدبلوماسية، لأن المسألة هنا تتجاوز خسارة مقعد دبلوماسي أو تأجيل اعتماد سفير، فالقاهرة تمثل بوابة عربية مهمة لسوريا في المرحلة المقبلة، وأحد مراكز الثقل السياسي والإعلامي في المنطقة، فضلًا عن احتضانها مقر الجامعة العربية، وما يمنحه ذلك من رمزية وتأثير، ومن ثم، فإن استمرار تعثر البعثة السورية في مصر لن يكون مجرد إرباك إداري أو خلاف بروتوكولي، بل قد يحرم دمشق من قناة عربية مركزية تحتاج إليها في مسار استعادة حضورها وشرعيتها داخل النظام العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى