
كابتن فيليبس و” الدولاب ” على ناصية شارعنا
أمينة العناني
بالرغم من أنني شاهدت فيلم ” كابتن فيليبس” أكثر من مرة إلا أنني أثناء مشاهدته هذه المرة تكونت لدي مشاعر مختلفة ربما أكثر نضجا وأكثر إنسانية وأكثر تفهما،
قرية صغيرة من قرى الصومال يغرق أهلها في الفقر المدقع، يقتاتون من بيع ” القات” وهو أحد النباتات المخدرة التي تنبت في شرق أفريقيا، وصنفته منظمة الصحة العالمية على أنه عقار ضار من الممكن أن يتسبب في حالة خفيفة أو متوسطة من الأدمان، كما يعمل أهل القرية بالقرصنة.. الجميع يحملون أسلحة بوجوه تبدو بريئة من داخلها وخارجها ..
كانت الكارثة التي تعاني منها هذه القرية والقرى المجاورة هي الإتاوة المضطرين لسدادها إلى رئيس عصابة يسيطر على هذه القرى، والتي لا يستطيعون سدادها إلا بأعمال القرصنة البحرية وترويع السفن المارة.. يهدد رجال العصابة أهل القرية لتأخرهم في سداد الأتاوة، وبطالبوهم بسرعة سدادها من خلال القرصنة على السفن، عملهم الأساسي، وإلا ستكون العواقب وخيمة..
شخصين بالقرية يمتلكون مراكب لديها إمكانيات متوسطة في القيام بأعمال القرصنة، يصطف سكان القرية، ويقوم أصحاب المراكب باختيار عمال المركب، يتسابق الجميع ليتم اختيارهم ضمن الفريق، يضغ الغالبية في أفواههم ” القات”، ربما هي محاولة للتغلب على آلامهم وضيق الحال، لكنهم يمضغونه بأفواههم بتلقائية شديدة.. يتم اختيار الأفراد ويتوجهون إلى المياه ليبدأ عملهم..
” كل ذي عاهة جبار”.. هي حكمة صادقة.. أتقن أبطال العمل الصوماليون دورهم بحرفية شديدة.. تجلت واضحة في نظراتهم وأسلوبهم في الكلام.. الفقر يبدو في أجسادهم الضئيلة النحيفة وعيونهم الغائرة.. لكن هذا لم يمنعهم من السيطرة والتهديد وضرب بطل الفيلم بقسوة شديدة.. تنتهي أحداث الفيلم بفوز القوات الخاصة الأمريكية في قتل ثلاثة منهم واعتقال الرابع وتحرير القبطان والسفينة..
هل من الممكن أن تساعد الظروف القاسية والفقر المدقع وغياب الرقابة والأمن في انتشار الجريمة ليس فقط في المحيط الداخلي للقرية ولكن يمتد للعالم.. نعم هذا هو ما حدث.. هل يمكن لغياب الوعي الديني والأخلاقي تداول الممنوعات كأمر معتاد طبيعي للصغير والكيير.. نعم هذا ما حدث.. هل يمكن مع الجهل والفقر أن يباح المال الحرام وترويع الآخرين دون ندم.. نعم هذا ما حدث..
ظاهرة ليست بالغريبة ولا بالجديدة منتشرة في الشارع المصري منذ فترة كبيرة وهي انتشار دولايب بيع الممنوعات على نواضي الشوارع وداخل الأزقة والحارات.. من وجهة نظري الكارثة الحقيقية تكمن في الشباب الصغير الذي امتهن هذه المهنة دون وعي ودون خوف.. فالبيع يتم في الظلام وأحيانا في وضح النهار.. الأمن يطارد ويتمكن في مرات كثيرة من القبض عليهم.. في المرة الأولى ورأفة بحال الشاب يتم إخلائ سبيله دون قضية، مجرد محضر لا يتم تصعيده ونصائح من الضباط أو الأحصائي الاجتماعي بالقسم حتى ينتبه الشاب لما يمكن أن يحدث له إذا كرر هذا الأمر.. الكثير من الشباب يستجيب للتنبيه ويخاف من تكراره لكن الغالبية الأكبر تعود للبيع ويتم القبص عليهم ويتم تحويل المحضر إلى قضية يتم الحكم فيها حسب النصوص القانونية..
عندما حادثت بعض الشباب عن الأسباب التي دفعنهم لفعل ذلك كانت الإجابات صادمة موجعة.. أحدهم أبواه يعملان في بيع “البودرة”:” أمي وأبويا بيبيعوا.. أنا يعني هطلع دكتور”.. أخر:” أبويا دايما طاردني برة البيت وببات في الشارع هصرف منين”.. وثالث:” لازم أساعد أمي وأبويا في مصاريف البيت ومش لاقي شغل”.. وكانت الكارثة التي أخبرني بها محامي، أنه في بعض الحالات يلجأ التجار إلى تهديد الشباب من خلال تصوير مقاطع فيديو خادشة لهم مع فتيات لإجبارهم على العمل معهم..
اختلفت الأسباب والمسببات، ولكن تظل هناك حقيقة واحدة أن غياب الوازع الديني والتوجيه الأخلاقي من الأسرة والمجتمع المحيط عامل أساسي في انتشار هذه الظواهر الغريبة في مجتمعنا.. انتهت الكلمات المنمقة التي صغت بها مقالي.. ما النتيجة لا شيء.. أفرغت ما بداخلي من حزن وألم غاضب.. وانتهى الكلام..
عزيزي القارئ دعني أترك هذه الكلمات المنمقة وأتحدث معك بكلمات تنبع من قلبي.. هل تخيلت يوما أن يكون أبنك أو ابنتك عرضة لمثل هذه المواقف.. هل تعلم ما سيحدث، لا قدر الله، هل سيكون ضياع مستقبلهم، ليتها كانت هذه فقط.. لكن سيترتب عليها ضياع النفس والهدف والحياة السوية.. ستكون الجريمة وفقدان الروح والضمير هي السلوك والمنهج.. هل هذا غريب.. هل هذا صعب .. هل أنا أبالغ.. لا أن كلماتي تصف برقة أقل ما يحدث في الشارع المصري الآن.. انتشرت الجرائم من أطفال يفتقدون القدوة والمثل.. انتشرت الأسلحة بين طيات الملابس وكأنها حزام الآمان.. انتشرت الألفاظ البذيئة والتصرفات الشائنة بسلاسة بين كلمات الحديث وكلما اتقنها صاحبها كلما زاد تألقه بين أقرانه..
طيب والحل إيه.. الحل يكمن في كتاب الله سبحانه وتعالى..
بسم الله الرحمن الرحيم :” أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ” “رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ”



