دراسات

العلاقات الخليجية الأمريكية في ظل التفاعلات الجارية في منطقة الشرق الأوسط

ملخص

تناولت الدراسة تطور العلاقات الخليجية–الأمريكية من الشراكة الاقتصادية إلى الشراكة الأمنية والاستراتيجية، مما يشير إلى تبادل الرؤية الاستراتيجية بين الطرفين. غير أن التطورات المتسارعة في المنطقة، وتوسع بؤر التوتر، بداية من عملية طوفان الأقصى في 07 أكتوبر 2023 وصولًا إلى الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، أدت إلى تراجع مستوى الثقة في العلاقات الخليجية–الأمريكية، بعد أن انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة التدخل من خلال دعم إسرائيل في حربها على غزة، ثم التدخل العسكري المباشر ضد إيران. وقد وضعت هذه التطورات دول الخليج أمام اختبار صعب بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، أو الحفاظ على مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، وامتد ذلك حتى إلى تهديد أمنها القومي بعد تعرضها المباشر للقصف الإيراني، مما أسفر عن تداعيات اقتصادية عليها. وتهدف الدراسة إلى بيان تشكل العلاقات الخليجية–الأمريكية، والكشف عن التفاعلات القائمة في منطقة الشرق الأوسط، وانعكاساتها على العلاقات الخليجية–الأمريكية.
الكلمات المفتاحية: العلاقات الخليجية–الأمريكية، الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، طوفان الأقصى، المواقف الخليجية

مقدمة

تشهد منطقة الشرق الأوسط تفاعلات متسارعة في مختلف بؤر الصراع، الأمر الذي أدى إلى تغير طبيعة العلاقات بين القوى الإقليمية والدولية. وتعد العلاقات الخليجية–الأمريكية من أبرز العلاقات الاستراتيجية التي تشكلت على أساس المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة.

غير أن التطورات التي شهدتها المنطقة، خاصة بعد عملية طوفان الأقصى في 07 أكتوبر 2023، وما رافقها من دعم أمريكي لإسرائيل، وضعت دول الخليج أمام تحد يتمثل في الموازنة بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبين مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية. ثم جاءت الحرب الإيرانية–الإسرائيلية والتدخل العسكري الأمريكي ليضعا دول الخليج في مواجهة تداعيات أمنية واقتصادية رغم تبنيها سياسة الحياد، الأمر الذي دفعها إلى إعادة تقييم طبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

وانطلاقا من ذلك، تطرح هذه الدراسة الإشكالية الآتية:

بماذا تميزت العلاقات الخليجية–الأمريكية في ظل التفاعلات الجارية في منطقة الشرق الأوسط؟

ويندرج ضمن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات الفرعية:

  • كيف تشكلت العلاقات الخليجية–الأمريكية؟
  • ما أبرز التفاعلات الجارية في منطقة الشرق الأوسط؟
  • ما تداعيات السياسة الأمريكية على العلاقات الخليجية–الأمريكية؟
  • ما السيناريو الأكثر ترجيحا  لمستقبل العلاقة الخليجية الأمريكية في ظل التفاعلات الجارية في  منطقة الشرق الأوسط ؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات تنطلق الدراسة من الفرضيات الآتية:

  • تشكلت العلاقات الخليجية–الأمريكية على أساس شراكة استراتيجية واقتصادية وأمنية.
  • تعد الحرب على غزة والحرب الإيرانية–الإسرائيلية من أبرز التفاعلات الجارية في منطقة الشرق الأوسط.
  • أدت السياسة الأمريكية إلى تراجع مستوى الثقة بين دول الخليج والولايات المتحدة، مع اتجاه دول الخليج إلى إعادة تقييم طبيعة هذه العلاقة .
  • ستستمر  الولايات المتحدة في تدخلاتها لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، في مقابل استمرار دول الخليج في تبني سياسة الحياد والوساطة .

المحور الأول :تشكل العلاقات الخليجية الأمريكية

أولا –الأهمية الجيوسياسية و الاستراتيجية   لمنطقة الخليج بالنسبة للولايات المتحدة .

تتميز منطقة الخليج العربي بمكانة مهمة في التصورات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية نظراً لأهميته الاقتصادية الناتجة عن مكانته الجيوسياسية، إذ تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية منطقة الخليج العربي ذات مصلحة حيوية لها ،لذا فإن أية محاولة للمساس بهذه المنطقة يعني تهديداً للأمن القومي الأمريكي.

جغرافيا  

شكل إقليم الخليج موقع محوري في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة بل اقليما مركزيا كأحد مواقع التنافس الاستراتيجي على الساحة الدولية ، تكمن أهمية  الإقليم في موقع المتميز على خريطة العالم حيث يربط هذا الإقليم القارات الثلاث الكبرى : اسيا ، افريقيا و أوروبا  كما يشرف على أهم ثلاثة أذرع مائية من جهة الملاحة و التجارة الدولية  البحر الأحمر ، البحر المتوسط ، الخليج العربي و تتصل هذه المياه بالمحيطات الكبرى في العالم .[1]

أمنيا و عسكريا

ترتبط الولايات المتحدة الأمريكية بعلاقات أمنية وعسكرية قوية مع العديد من دول الخليج العربي إذ تترجم هذه العلاقات إلى قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، مما يمنح الولايات المتحدة القدرة على التدخل السريع لحماية مصالحها الاستراتيجية عند الحاجة، إذ أن المسعى الأمريكي هو المحافظة على الأنظمة السياسية الحليفة والصديقة في منطقة الشرق الأوسط ولاسيما في منطقة الخليج العربي، لأن التغيير مهما كان نوعه سواءً كان سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً غالباً ما يؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار الذي يؤثر بدوره على مصالح الولايات المتحدة وأهدافها في المنطقة لذا تهدف الاستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية الى ردع الهجمات المعادية للولايات المتحدة ولحلفائها في الخليج

أن مفهوم التواجد الأمريكي في منطقة الخليج العربي جاء بهدف منع تأسيس أي نفوذ للمعسكر الشرقي في المنطقة وذلك ضمن قواعد الصراع في الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي نظراً لأهمية منطقة الخليج في موازين الاستراتيجية العالمية . [2]

اقتصاديا

أهمية الخليج العربي في منظور الولايات المتحدة تنبع أيضا من الثروة النفطية التي ينفرد بها الاقليم ، حيث جاء النفط لكسب الخليج أهمية استراتيجية تفوق أهمية أي إقليم آخر الى درجة جعلت أحد العلماء الأمريكيين يقول : ” لو كان العالم دائرة مسطحة وكان المرء يبحث عن مركزها لكان هناك سبب جيد للقول ان المركز هو الخليج… فما من مكان مثله في العالم اليوم تتلاقى فيه المصالح الكونية ، وما من منطقة مثله مركزية بالنسبة لاستمرار صحة اقتصاد واستقرار العالم ) .

تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن الثروة النفطية في الخليج بشقيها المستخرج والمخزون الاحتياطي تمثل القوة الاقتصادية المهمة للمنطقة .

يضاف الى ذلك أن دول الخليج تمثل أهم الدول المستوردة للسلاح في العالم ، وتعتبر سوقا استهلاكيا لمصانع الأسلحة الغربية والامريكية خاصة، مما يحقق دعم الاقتصاد الغربي والأمريكي من خلال صفقات التجارة العسكرية الهائلة لتزويد الدول الخليجية بمختلف أنواع الأسلحة وأنظمة الصواريخ وغيره. [3]

ثانيا  -تشكل  العلاقات الخليجية الأمريكية  

تعود البدايات الأولى للعلاقات  الخليجية الأمريكية الى عام 1833 عندما   أبرمت الولايات المتحدة أول معاهدة  صداقة و تجارة   مع أول دولة خليجية “سلطنة عمان” بهدف  تعزيز التبادل التجاري و تامين السفن الأمريكية في موانئ عمان ، وهذه شكلت نقطة  الانطلاق للعلاقات الأمريكية الخليجية .

حظيت منطقة الخليج العربي بأولوية لدى الإدارات  الأمريكية و تمثلت  بدايات هذا الاهتمام بتوقيع ميثاق كوينسي (14 فيفري 1945) الذي كان بمثابة بداية لتبني الولايات المتحدة الأمريكية سياسة محددة تجاه المنطقة ، حينذاك اقترحت الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية ضمان الدفاع عن أراضيها في حال تعرضها لاعتداء خارجي ، في مقابل أن تستفيد الولايات المتحدة من الأفضلية في مجال الامتيازات النفطية .[4]

في عام 1980 أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية مبدًأ جديدًا للتعامل مع التهديدات المختلفة في منطقة الخليج، سُمي بـ”مبدأ كارتر” أو “عقيدة كارتر“. وقد أُعلن هذا المبدأ خلال خطاب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عن حالة الاتحاد في 23 يناير 1980. ويقوم هذا المبدأ، بشكل رئيسي، على منع أي قوة خارجية تسعى إلى السيطرة على الخليج العربي، لأن ذلك سيُعد اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ستقابله واشنطن بكل الوسائل اللازمة، بما فيها القوة العسكرية.كما  قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء قوة أمريكية سُميت بـ”قوة الانتشار السريع المشتركة”، وهي القوة التي أعدتها الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في مختلف الأزمات الخارجية آنذاك. 

كانت عُمان الدولة الخليجية الوحيدة التي قبلت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة. فمنذ عام 1975، وافقت عُمان على الطلبات الأمريكية المتعلقة بالوصول إلى القاعدة الجوية البريطانية القديمة في جزيرة مصيرة في بحر العرب. وفي يونيو 1980 أصبحت الدولة الخليجية الوحيدة التي وقعت اتفاقًا رسميًا بشأن تسهيلات عسكرية مع الولايات المتحدة. أما بقية دول الخليج، فقد رفضت الضغوط الأمريكية لتوقيع اتفاقات مماثلة حتى وإن سمحت في الوقت نفسه باستمرار ترتيبات الوصول العسكري القائمة مع الولايات المتحدة، مثل استضافة البحرين للقوة البحرية الأمريكية الصغيرة في الخليج.

   ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، ساد النفوذ الأمريكي في المنطقة، وباتت دول الخليج في حاجة ماسة إلى حماية ملاحتها. فعلى سبيل المثال، طلبت الكويت في نوفمبر 1986 من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي معًا المساعدة في حماية ملاحتها، بعد أن أصبحت عرضة للهجمات الإيرانية. وبعد أن علمت واشنطن بأن السوفييت بدأوا مفاوضات مع الكويت، وافقت الولايات المتحدة في مارس 1987 على رفع العلم الأمريكي على عدد من الناقلات الكويتية وتوفير حراسة بحرية لها. ولهذا الغرض، حشدت الولايات المتحدة أكبر قوة بحرية لها منذ حرب فيتنام، ونشرتها في الخليج العربي وبحر العرب .

وقد شنت الولايات المتحدة الأمريكية بعض الهجمات على القوات الإيرانية خلال فترة الحرب، حمايةً لأمن الملاحة البحرية. فعلى سبيل المثال، هاجمت القوات الأمريكية في سبتمبر 1987 سفينةً إيرانية كانت تزرع ألغامًا بحرية. وفي أكتوبر من العام نفسه، أصاب صاروخ إيراني إحدى الناقلات الكويتية المُعاد تسجيلها تحت العلم الأمريكي، فردت الولايات المتحدة بتدمير منصتين نفطيتين إيرانيتين في البحر، وفي 13 أبريل 1988، نفذت القوات البحرية الأمريكية هجومًا كبيرًا آخر على القوات البحرية الإيرانية ومنصات النفط الخاصة بها .

ومع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، أو حرب الخليج الأولى في عام 1988، ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها قوة نفوذ رئيسية في منطقة الخليج العربي.[5]

و يمكن أن نختصر بداية تشكل العلاقات الخليجية الأمريكية في المراحل التالية :

1833  :توقيع أول اتفاقية خليجية أمريكية قائمة على التبادل التجاري و حماية السفن الأمريكية الموجودة في موانئ عمان

1945-1953  : بداية  توجهات الإدارة الأمريكية نحو الخليج العربي منذ عهد ترومان من خلال التوقيع على أول ميثاق يعرف ب”ميثاق كوينسي  كان بمثابة سياسة تحددها الولايات المتحدة في المنطقة الأمن مقابل الحصول على امتيازات نفطية

1980 :في  ظل التهديدات التي كانت تواجه الخليج أصدرت الولايات المتحدة مبدأ جديدا  سمي مبدأ كارتر  يقوم على منع أي قوة تحاول السيطرة على الخليج.

1986-1987 :مطالبة بعض دول الخليجية التدخل  الأمريكي لحماية ملاحتها .

1988 :مع نهاية الحرب الإيرانية العراقية حشدت الولايات المتحدة أكبر قوة بحرية لتوصف  بقوة نفوذ رئيسية في منطقة الخليج العربي .

ثالثا : المصالح الخليجية و الأمريكية المشتركة

تقوم العلاقات الخليجية الأمريكية على مصالح مشتركة ترتكز  فيما يلي :

التعاون الأمني و العسكري  للدفاع المشترك

تسعى الاستراتيجية الامريكية  سد  أي فراغ أمني في الخليج و تربط هذه الأخير المنظومة الأمنية و الدفاعية بشكل مباشر للفلك العسكري و السياسي ما يجعل التزام أمريكي لحماية الأنظمة الخليجية من السقوط .

أمن الطاقة والاقتصاد: يشكل ضمان استقرار أسواق النفط والغاز العالمية وتأمين خطوط الإنتاج والتصدير ركيزة أساسية للاستراتيجية الأمريكية والخليجية على حد سواء، وذلك في ظل ارتباط اقتصاد البلدان الخليجية بالسياسات الاقتصادية والمالية العالمية. [6]

الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب: العمل المشترك على مكافحة التنظيمات الإرهابية المتطرفة ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها، بالإضافة إلى السعي الدبلوماسي لإنهاء النزاعات المستعصية في الشرق الأوسط. [7]

  الأمن السيبراني والدفاع الجوي: تنسيق وثيق لمواجهة الهجمات السيبرانية المتطورة وتأسيس شبكات دفاع جوي وصاروخي متكامل لحماية المنشآت الحيوية في دول الخليج .[8]

المحور الثاني: التفاعلات الجارية في منطقة الشرق الأوسط

أولا-طوفان الأقصى و الدعم الأمريكي لإسرائيل

 وقعت عملية طوفان الأقصى في 07 أكتوبر 2023، وهي أكبر حرب شنتها المقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها على المستوطنات الصهيونية المحاذية لقطاع غزة، ردا على انتهاكات الجيش الصهيوني بإطلاق آلاف الصواريخ، انطلق على إثر هذا  القصف المسلحون الفلسطينيون إلى المستوطنات الصهيونية، وهي أكبر حرب منذ حرب أكتوبر 1973 وتشير التقارير إلى مقتل أكثر مائة صهيوني وإصابة المئات الآخرين .[9]

ومنذ اللحظات الأولى  لاندلاع  معركة طوفان الأقصى  تحدث كبار المسؤولين  العسكريين  الأمريكيين   مع نظرائهم الاسرائليين ،وتعهد الجانب  الأمريكي بتوفير الدعم  الممكن لإسرائيل [10] و ذلك عبر تقديم المساعدات المباشرة  لتعزيز  قدراتها  على تحقيق  أهدافها  على حماس من خلال  تجديد المخزون العسكري  الإسرائيلي و ضمان  عدم افتقار إسرائيل الى المعدات الحيوية لتحقيق أهدافها  العسكرية فضلا عن  ارسال قوات أمريكية خاصة  لتقديم المشورة  للقوات الاسرائلية  خلال التجهيز للعمليات البرية .

انعكس هذا الدعم على العلاقات الخليجية الأمريكية ، حيث وجدت منطقة الخليج نفسها أمام تحدي  بين الموازنة الاستراتجية مع إسرائيل و مواقفها السياسية و الشعبية الداعمة  للقضية الفلسطينية  ، حيث أدى تواصل الدعم الأمريكي لإسرائيل  الى تراجع  مستوى الثقة عند بعض دول الخليج ، خاصة بعد تصاعد الانتقادات على الموقف الأمريكي المنحاز للاسرائيل ..

ثانيا -الصراع الإيراني الإسرائيلي  و التدخل الأمريكي

يعد الملف النووي الإيراني من أبرز القضايا التي شكلت محور التوترات والتحديات في السياسة الدولية، حيث له تأثيرات واسعة النطاق على العلاقات بين إيران والولايات المتحدة ، بالإضافة إلى تأثيره على توازن القوى الإقليمي والدولي ، ومنذ أن بدأت إيران في السبعينات البحث عن إمكانية استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، مرورًا بتطورات هذا الملف بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وصولا إلى التحديات المستمرة التي يواجهها البرنامج النووي الإيراني في العقود الأخيرة، حيث  أصبح هذا الملف قضية حاسمة في العلاقات الدولية ، وتداخلت فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل معقد ، مما جعله يتصدر قائمة القضايا الأكثر إثارة للجدل على الساحة الدولية [11]

حيث شهد عام 2025 تصعيدا غير مسبوق في الصراع الإيراني الإسرائيلي  انتهى  بتدخل عسكري أميركي مباشر استهدف المنشآت النووية الإيرانية.ومثّل هذا الهجوم نقطة تحول حاسمة أعادت عقارب الساعة في البرنامج النووي الإيراني عقودا إلى الوراء.، اذ استهدفت  الضربة الأميركية 3 مواقع نووية رئيسية في إيران، وهي نطنز وفوردو وأصفهان، حيث كانت تتم عمليات تخصيب اليورانيوم بنسب منخفضة وعالية.[12]

الملف النووي  الإيراني  أحد أهم الملفات الرئيسية التي تغير مستوى ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط  و هذا ما يجعل إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية دائما في حالة ترقب لتطور النووي الإيراني ، لكن التدخل الأمريكي بشكل مباشر على ايران  اثار مخاوف دول الخليج  من اتساع دائرة الصراع  وتحول أراضيها  الى ساحة للتنافس بين ايران و الولايات المتحدة .

أدت هذه التفاعلات في منطقة الشرق الأوسط إلى ضرورة إعادة تقييم دول الخليج لطبيعة علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل التغيرات المتسارعة في المنطقة، وتصاعد بؤر التوتر التي وسعت من نطاق الصراعات وهددت أمن الخليج واستقراره، وهو ما انعكس على مواقف دول الخليج تجاه السياسة الأمريكية

المحور الثالث: المواقف الخليجية تجاه السياسة الأمريكية و تداعياتها على العلاقات البينية

أولا -المواقف الخليجية تجاه  السياسة الأمريكية

اتسمت دول الخليج في مواقفها بالحياد الدبلوماسي وتجنب الانخراط العسكري، فلم تتخذ موقفا موحدا وعلنيا بالوقوف ضد الولايات المتحدة الأمريكية إبان أزمة طوفان الأقصى، بل تراوحت مواقفها بين الانحياز إلى الوساطة الدبلوماسية، كما هو الحال بالنسبة لقطر وسلطنة عمان، والتركيز على استقرار أسواق الطاقة وتجنب التصعيد الإقليمي، كما برز في مواقف الإمارات والكويت. ولكن بعد الحرب الإيرانية–الإسرائيلية والتدخل الأمريكي المباشر، امتدت تداعيات الصراع إلى منطقة الخليج، مما أسفر عن تداعيات اقتصادية وأمنية بعد استهداف مناطق حيوية، كالمطارات والموانئ والقواعد العسكرية ومنشآت الطاقة والمراكز المالية، الأمر الذي دفعها للانتقال من  الاصطفاف التلقائي الى الحياد  التبادلي  مع تبني  سياسات ترتكز على التحوط الاستراتيجي، وتنويع الشراكات الدولية، والسعي إلى ضمان مقعد لها على طاولة المفاوضات الإقليمية بما يحفظ مصالحها الأمنية والاقتصادية.

ثانيا -تداعيات السياسة الأمريكية على العلاقة الخليجية  الأمريكية :

  • تراجع مستوى الثقة: تساءلت  القيادات السياسية الخليجية عما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال ضامناً أمنياً موثوقاً [13]بعد انتقال تداعيات الصراع الى المنطقة  ، فقد أدى التدخل الأمريكي المباشر في الحرب الإيرانية–الإسرائيلية إلى تراجع مستوى الثقة لدى بعض  دول الخليج في المظلة الأمنية الأمريكية، وهو ما دفعها إلى إعادة تقييم طبيعة علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.
  • تنويع التحالفات: باتت دول الخليج  أكثر اقتناعًا بالحاجة إلى تنويع مظلاتها الأمنية، وبناء ترتيبات دفاعية موازية تعزز قدرتها على الردع والحماية، بدلًا من حصر أمنها الإقليمي في شريك واحد، مهما بلغت قوة هذا الشريك ونفوذه [14] اتجهت دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح على قوى أخرى مثل الصين والهند و باكستان  بهدف تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة ملفاتها الأمنية والاستراتيجية.

برز  اهتمام دول خليجية أخرى بتعزيز التعاون الدفاعي مع باكستان، فضلاً عن المصالح المشتركة لدول الخليج في تعزيز الأمن والدفاع والاستفادة من الخبرات العسكرية والتدريب، ودعم أمن الممرات البحرية وتنويع الشراكات الاستراتيجية”. ان  مكاسب الاتفاقية بالنسبة إلى باكستان تكمن في “ضمان إمدادات الطاقة وجذب الاستثمارات الخليجية، وتوسيع نفوذها الاستراتيجي في الخليج، وتعزيز صناعاتها الدفاعية والتعاون العسكري”، هذه الترتيبات تُمثّل تحوّلاً في هندسة الأمن الخليجي من خلال توسيع شبكة الشركاء العسكريين مع الحفاظ على العلاقات القائمة مع القوى الدولية وليس استبدالها، كما تعكس إدراكاً خليجياً بأن البيئة الأمنية الحالية تتطلب تنويع مصادر الردع وبناء شراكات من دول تمتلك قدرات عسكرية كبيرة وخبرة ميدانية، مثل باكستان”.[15]

  • المطالبة بمراعاة المصالح الخليجية: مارست دول الخليج ضغوطا مكثفة على  الإدارة الامريكية  لضمان عدم تجاهل  مصالحها الاستراتيجية   و الأمنية  .
  • التعامل مع التهديدات المباشرة: عملت دول الخليج على خفض التصعيد داخل أراضيها من خلال تبني سياسة الحياد الدبلوماسي، مع تعزيز الإجراءات الأمنية لحماية منشآتها الحيوية وتجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية

المحور الرابع : السيناريوهات المستقبلية للعلاقة الخليجية الامريكية في ظل التفاعلات الجارية

أولا- السيناريو الإيجابي

تستمر دول الخليج في الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار أن أمنها ما يزال مرتبطا بالمظلة الأمنية الأمريكية، مع حرص الولايات المتحدة على مراعاة المصالح الأمنية والاستراتيجية لدول الخليج، مما يساهم في استمرار الثقة بين الطرفين.

ثانيا- السيناريو السلبي

إذا واصلت الولايات المتحدة تدخلاتها العسكرية في المنطقة دون مراعاة المصالح الأمنية لدول الخليج، فإن ذلك قد يؤدي إلى تراجع مستوى الثقة في السياسة الأمريكية، ويدفع دول الخليج إلى توسيع شراكاتها مع قوى دولية أخرى والاعتماد عليها بشكل أكبر.

ثالثا- السيناريو الرمادي

تواصل الولايات المتحدة تدخلاتها في قضايا الشرق الأوسط للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، في المقابل تحاول دول الخليج الحفاظ على علاقتها مع الولايات المتحدة، مع انتهاج سياسة الحياد والوساطة، وتنويع شراكاتها الدولية لتفادي الانخراط في الصراعات الإقليمية

الخاتمة

تشير نتائج الدراسة الى أن  الموقع الجيوستراتيجي لمنطقة الخليج اكتسب  أهمية كبيرة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي جعل العلاقات الخليجية–الأمريكية تبدأ بعلاقات تجارية ثم تتطور تدريجيا إلى شراكة أمنية واستراتيجية، مكنت الولايات المتحدة من تعزيز نفوذها وحضورها في منطقة الخليج.

وأدت الصراعات والتفاعلات الجارية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد عملية طوفان الأقصى والدعم الأمريكي لإسرائيل، ثم التدخل الأمريكي المباشر في الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، إلى وضع دول الخليج أمام ضغوط سياسية وأمنية وشعبية، نتيجة انعكاسات هذه التفاعلات على أمن المنطقة واستقرارها.

وانعكست السياسة الأمريكية على طبيعة العلاقات الخليجية–الأمريكية من خلال تراجع مستوى الثقة لدى بعض دول الخليج، إذ لم تعد ترغب في البقاء مرتبطة أمنيا وعسكريا بشريك واحد، بعد التهديدات الأمنية والخسائر الاقتصادية التي طالتها نتيجة تداعيات الحرب الإيرانية–الإسرائيلية. لذلك سعت إلى مواجهة هذه التحديات من خلال الابتعاد عن الاصطفاف التلقائي مع الولايات المتحدة، والاتجاه نحو الاصطفاف الحيادي، مع التأكيد على ضرورة مراعاة واشنطن لمصالحها الأمنية والاستراتيجية، إلى جانب تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح على قوى أخرى، مثل الصين.

وانطلاقا من ذلك، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار الولايات المتحدة في تدخلاتها لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، في مقابل استمرار دول الخليج في تبني سياسة الحياد والوساطة لتفادي الانخراط في الصراعات أو تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية المصالح الإقليمية والدولية، مع الاعتماد على سياسة التحوط الاستراتيجي، انطلاقا من إدراكها أن الأمن لا يستورد بالكامل من الخارج، وأن التحالفات، مهما بلغت أهميتها، تبقى رهينة المصالح والمتغيرات الدولية .

المراجع و المصادر

١ -د سليم شيخاوي . الاستراتيجية  الأمريكية  تجاه أمن الخليج العربي  بعد 1991    ، الاكاديمية  للدراسات الاجتماعية و الإنسانية ، المجلد 13 ، العدد 1 ، 2021

٢ – م .م. ضحى مهند علي ، الأهمية الجيواستراتيجية  لمنطقة الخليج العربي في التصورات الاستراتجية للولايات المتحدة الأمريكية ، مجلة كلية الامام الجامعة  ، المجلد ١ ، العدد 6 ، 2024

٣  -عاصم وزيري،، العلاقات الأمريكية الخليجية : من مبدأ كارتر  الو إعادة تعريف الدور الأمريكي  في عهد الرئيس ترامب، مركز ترو للدراسات  ، تم النشر بتاريخ  17/06/2020 ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026  .

٤-  العلاقات الخليجية الأمريكية نموذجا، من الموقع الالكتروني :

https://www.derasat.org.bh/ar/a-gulf-us-relations-model/   ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026

٥-  العلاقات بين الولايات المتحدة  ومجلس التعاون الخليجي : سد فجوة المصداقية ، من الموقع الالكتروني :

https://www.washingtoninstitute.org/    ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026  

٦-  بعيدا عن أمريكا …هل تتجه  دول الخليج  لبناء تحالف دفاعي إقليمي ،  من الموقع الالكتروني :

https://www.aljazeera.net/politics/2026/3/18/%D8%A8%D8%B9%D9%84%D9%8A%D8%AC  ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026

٧- رياض قندوز.مواقف الأمم المتحدة  المتعلقة بطوفان الأقصى  خلال ل 200  يوما من الحرب الإسرائيلية ،مجلة المعيار،مجلد 28،عدد3 ،2024

٨- د جاسم  يومس الحريري .الموقف الأمريكي  من طوفان الأقصى ،مركز حمورابي للبحوث و الدراسات الاستراتجية ، 2023

٩-  علي عبد الله عمر التائب .الملف النووي الإيراني  وأثره على  العلاقات الأمريكية الإيرانية ، مجلة العلوم الشاملة ، المجلد ١٠ ، العدد 39 ، مارس 2026 ،.

١٠-  ايران 2025 :ضربة أمريكية  تدمر  المنشآت النووية  وازمات داخلية متفاقمة ، من الموقع الالكتروني:

https://www.aljazeera.net/politics/2025/12/28/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-2025-  ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026  .

١١-عماد حسن ،الخليج يعيد حساباته .هل تزال واشنطن  ضامنا موثوقا ، من الموقع الالكتروني:

https://www.dw.com/ar/%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%  ، تم التصفح بتاريخ 27/07/2026

١٢-  من المظلة الأمريكية الى الخيار الباكستاني .. الخليج  يعيد رسم الخريطة ، من الموقع الالكتروني :

https://www.noonpost.com/379553/amp/   ، تم التصفح 27/07/2026

١٣- اتفاقية  الكويت و باكستان الدفاعية :تحالف خليجي مع اسلام  أباد ، من الموقع الالكتروني :

https://www.alaraby.co.uk/politics ، تم التصفح بتاريخ 28/07/2026  .


[1] -د سليم شيخاوي . الاستراتيجية الأمريكية  تجاه أمن الخليج العربي  بعد 1991    ، الاكاديمية  للدراسات الاجتماعية و الإنسانية ، المجلد 13 ، العدد 1 ، 2021 ، ص 194 .

[2] – م .م. ضحى مهند علي ، الأهمية الجيواستراتيجية  لمنطقة الخليج العربي في التصورات الاستراتجية للولايات المتحدة الأمريكية ، مجلة كلية الامام الجامعة  ، المجلد ١ ، العدد 6 ، 2024 ، ص  17

[3] -د ، سليم شيخاوي، مرجع سبق ذكره ، ص  195

[4] -نفس المرجع ، ص 196

[5]  عاصم وزيري،، العلاقات الأمريكية الخليجية : من مبدأ كارتر  الو إعادة تعريف الدور الأمريكي  لي عهد الرئيس ترامب ، مركز ترو للدراسات  ، تم النشر بتاريخ  17/06/2020 ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026  .

[6]  العلاقات الخليجية الأمريكية نموذجا، من الموقع الالكتروني :

https://www.derasat.org.bh/ar/a-gulf-us-relations-model/   ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026

[7]  العلاقات بين الولايات المتحدة  ومجلس التعاون الخليجي : سد فجوة المصداقية ، من الموقع الالكتروني :

https://www.washingtoninstitute.org/    ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026  

[8]  بعيدا عن أمريكا …هل تتجه  دول الخليج  لبناء تحالف دفاعي إقليمي ،  من الموقع الالكتروني :

https://www.aljazeera.net/politics/2026/3/18/%D8%A8%D8%B9%D9%84%D9%8A%D8%AC  ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026

[9] رياض قندوز.مواقف الأمم المتحدة  المتعلقة بطوفان الأقصى  خلال ل 200  يوما من الحرب الإسرائيلية ،مجلة المعيار،مجلد 28،عدد3 ،2024ص،178-179

[10] د جاسم  يومس الحريري .الموقف الأمريكي  من طوفان الأقصى ،مركز حمورابي للبحوث و الدراسات الاستراتجية ، 2023، ص 4

[11]  علي عبد الله عمر التائب .الملف النووي الإيراني  وأثره على  العلاقات الأمريكية الإيرانية ، مجلة العلوم الشاملة ، المجلد ١٠ ، العدد 39 ، مارس 2026 ،  ص3407

[12]  ايران 2025 :ضربة أمريكية  تدمر  المنشآت النووية  وازمات داخلية متفاقمة ، من الموقع الالكتروني:

https://www.aljazeera.net/politics/2025/12/28/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-2025-  ، تم التصفح بتاريخ 26/07/2026  .

[13] عماد حسن ،الخليج يعيد حساباته .هل تزال واشنطن  ضامنا موثوقا ، من الموقع الالكتروني:

https://www.dw.com/ar/%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%  ، تم التصفح بتاريخ 27/07/2026

[14]  من المظلة الأمريكية الى الخيار الباكستاني .. الخليج  يعيد رسم الخريطة ، من الموقع الالكتروني :

https://www.noonpost.com/379553/amp/   ، تم التصفح 27/07/2026

[15] اتفاقية  الكويت و باكستان الدفاعية :تحالف خليجي مع اسلام  أباد ، من الموقع الالكتروني

https://www.alaraby.co.uk/politics ، تم التصفح بتاريخ 28/07/2026  .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى