
اليمن والبحر الأحمر في معادلة النفوذ الإيراني: استدعاء ورقة باب المندب.. الدوافع والأهداف
سلفانا عزت – باحثة سياسية متخصصة في العلاقات الدولية
ملخص:
تتناول هذه الدراسة الاستراتيجية الإيرانية تجاه اليمن في ضوء التحولات التي
شهدتها الساحة اليمنية، والدور المتنامي لجماعة الحوثيين في معادلات الأمن
الإقليمي، ولا سيما في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وتركز
الدراسة على تطور العلاقات بين إيران والحوثيين، إلى جانب الأبعاد السياسية
والعسكرية والتقنية للدعم الإيراني المقدم للجماعة، مع تحليل الأهداف الاستراتيجية
الكامنة وراء هذا الدعم.
علاوة على ذلك، تبحث الدراسة في الأهمية الجيوسياسية لليمن وموقعه ضمن شبكة
الممرات البحرية الحيوية، مع إيلاء اهتمام خاص لدور مضيق باب المندب في الحسابات
الاستراتيجية الإيرانية، وارتباطه الأوسع بمضيق هرمز.
وتنطلق الدراسة من أن انخراط إيران في اليمن يتجاوز حدود الصراع اليمني
الداخلي؛ إذ يمثل إحدى أدواتها لتوسيع نفوذها الإقليمي وممارسة الضغط غير المباشر
على خصومها، بما يؤدي إلى زيادة تكلفة التحركات الأمريكية والإسرائيلية
والإقليمية، دون الانخراط بالضرورة في مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة.
وأخيرًا، تخلص الدراسة إلى أن استمرار تطور القدرات العسكرية للحوثيين،
بالتوازي مع الموقع الجغرافي الاستراتيجي لليمن، يمنح إيران مساحة إضافية للمناورة
الاستراتيجية والتأثير في أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، بما يجعل
اليمن مكوّنًا محوريًا في استراتيجية إيران الأوسع للنفوذ الإقليمي.
مقدمة
لم يعد اليمن يمثل في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية مجرد ساحة للصراع
الداخلي، وإنما تحول تدريجيًا إلى إحدى نقاط الارتكاز المهمة في معادلات التنافس
الإقليمي والدولي، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي المشرف على البحر الأحمر ومضيق
باب المندب، وما يتيحه هذا الموقع من قدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة
وأمن الممرات البحرية الدولية. وقد ازدادت أهمية هذا الدور مع تصاعد حضور
جماعة الحوثيين في المشهد اليمني، وتطور قدراتها العسكرية، واتساع نطاق عملياتها
البحرية، بما جعل الساحة اليمنية مرتبطة بصورة مباشرة بالتفاعلات الأمنية
والاستراتيجية في البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، تبرز إيران بوصفها طرفًا محوريًا في إعادة تشكيل معادلات
القوة داخل اليمن، من خلال علاقاتها المتنامية مع جماعة الحوثيين، وما ارتبط بها
من دعم سياسي وعسكري وتقني، فضلًا عن توظيف الجماعة ضمن شبكة أوسع من الشركاء
والوكلاء والحلفاء غير الدوليين في الإقليم. ولا تقتصر أهمية
هذا الدعم على تأثيره في توازنات الصراع اليمني، وإنما تمتد إلى ما يتيحه لطهران
من أدوات للضغط والمناورة في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين، مع الحفاظ على
قدر من المسافة التي تحد من احتمالات انتقال المواجهة المباشرة إليها.
وتكتسب الاستراتيجية الإيرانية تجاه اليمن أهمية إضافية في ضوء الموقع الجغرافي
للبلاد، ولا سيما مضيق باب المندب الذي يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق البحرية
عالميًا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب. ومن ثم، فإن
تنامي القدرات العسكرية للحوثيين على الساحل الغربي اليمني، وما صاحب ذلك من
استهداف للسفن التجارية والعسكرية، أضفى على اليمن بعدًا يتجاوز حدود الصراع
الداخلي، وأدخله بصورة أكثر وضوحًا في معادلات أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة
الدولية.
كما يتيح هذا الموقع لإيران ورقة استراتيجية يمكن استخدامها
بصورة غير مباشرة لرفع تكلفة تحركات الخصوم والتأثير في البيئة الأمنية
والاقتصادية المحيطة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم السياسة الإيرانية تجاه اليمن بمعزل عن التصور
الأوسع لطهران بشأن إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط، أو عن سعيها إلى بناء
قدرات ضغط متعددة الجبهات، بما يسمح لها بالمناورة في مواجهة الولايات المتحدة
وإسرائيل وبعض القوى الإقليمية، دون الانخراط بالضرورة في مواجهة مباشرة ومستمرة. ويأتي
البحر الأحمر وباب المندب ضمن هذه المعادلة باعتبارهما مجالًا تتقاطع فيه اعتبارات
الأمن الإقليمي مع المصالح الاقتصادية وحركة التجارة الدولية، فضلًا عن ارتباطهما
الاستراتيجي بمضيق هرمز ومنظومة الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها نسبة مهمة
من حركة الطاقة والتجارة العالمية.
وعليه، يتناول هذا المقال الاستراتيجية الإيرانية تجاه اليمن من خلال تحليل
تطور العلاقة بين إيران والحوثيين، وأبعاد الدعم الإيراني للجماعة وقنواته،
والأهداف التي تسعى طهران إلى تحقيقها من خلال هذا الدعم، إلى جانب بحث الأهمية
الجيوسياسية لليمن والبحر الأحمر وموقع باب المندب في الحسابات الإيرانية. كما
يناقش المقال كيفية توظيف الساحة اليمنية كأداة للضغط غير المباشر على الخصوم
الإقليميين والدوليين، وما يترتب على ذلك من تداعيات على أمن البحر الأحمر
والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية.
أولًا: الاستراتيجية والسياسة الإيرانية تجاه اليمن وتطور العلاقة مع الحوثيين
تقوم الاستراتيجية الإيرانية تجاه اليمن على توظيف جماعة الحوثيين كأحد أدوات
النفوذ الإقليمي الإيراني، بما يسمح لطهران باستخدام الساحة اليمنية للضغط على
خصومها الإقليميين والدوليين، ونقل جانب من المواجهة إلى مسرح جغرافي بعيد عن
الأراضي الإيرانية. وقد أدى الدعم الإيراني للحوثيين إلى
تعزيز قدراتهم العسكرية، بما مكّن الجماعة من تهديد أمن دول الخليج والملاحة في
البحر الأحمر، وتحويل اليمن من ساحة للصراع الداخلي إلى ورقة ضمن حسابات النفوذ
والصراع الإقليمي. وفي هذا السياق، يشير أحمد سيد أحمد إلى
أن الحوثيين باتوا يمثلون أداة في الاستراتيجية الإيرانية، وأن الجماعة توظف
قدراتها العسكرية بما يخدم الأهداف الإيرانية على حساب مصالح الدولة اليمنية
واستقرارها (أحمد سيد أحمد، 2026).
وتستند طهران كذلك إلى الأهمية الجيوسياسية لليمن، ولا سيما موقعه المشرف على
البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لتوسيع نطاق تأثيرها في الأمن الإقليمي والدولي. فامتلاك
الحوثيين القدرة على تهديد الملاحة في باب المندب يمنح إيران ورقة ضغط إضافية في
مواجهة خصومها، ويتيح لها التأثير بصورة غير مباشرة في حركة التجارة والطاقة
الدولية.
ومن ثم، فإن توظيف الحوثيين لا يرتبط فقط بالصراع على
السلطة داخل اليمن، وإنما يمتد إلى استثمار الموقع الجغرافي للدولة اليمنية ضمن
استراتيجية إيرانية أوسع تقوم على استخدام الأذرع الإقليمية وفتح جبهات ضغط متعددة
(أحمد سيد
أحمد، 2026).
كما يرتبط توظيف الساحة اليمنية بالاستراتيجية الإيرانية القائمة على توسيع
دائرة الضغط على الخصوم ورفع تكلفة المواجهة. فمن خلال
الحوثيين، تستطيع طهران ممارسة ضغوط على السعودية ودول الخليج، وتهديد المصالح
المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر، بما يجعل الجبهة اليمنية امتدادًا للصراع
الإقليمي بين إيران وخصومها. ويأتي ذلك في إطار نمط أوسع من اعتماد
إيران على الفاعلين المسلحين من غير الدول في المنطقة، بما يوفر لها أدوات ضغط
ونفوذ تتجاوز حدود المواجهة المباشرة (أحمد سيد أحمد، 2026).
وبذلك، يمثل اليمن في الاستراتيجية الإيرانية أكثر من مجرد ساحة صراع محلي؛
فهو يمثل أداة جيوسياسية تتيح لطهران الجمع بين النفوذ البري عبر جماعة الحوثيين
والضغط البحري عبر موقع اليمن على باب المندب. ويمنح هذا الوضع
إيران قدرة على التأثير في أمن الخليج والبحر الأحمر في الوقت نفسه، واستخدام
التهديدات الصادرة من الأراضي والمياه اليمنية كورقة ضغط في صراعاتها الإقليمية
والدولية (أحمد سيد أحمد، 2026).
وتستند السياسة الإيرانية تجاه اليمن إلى توظيف البيئة السياسية والأمنية
المحلية لتعزيز الحضور الإقليمي لطهران، مستفيدةً من الموقع الجغرافي لليمن
وأهميته الاستراتيجية، إلى جانب هشاشة مؤسسات الدولة وتعدد القوى الفاعلة فيها. وقد
اتجهت إيران إلى بناء علاقات مع قوى محلية يمكن أن تسهم في تحقيق مصالحها
الإقليمية، وكان الحوثيون أبرز هذه القوى، خاصة مع تزايد توافق مصالح الطرفين في
مواجهة النفوذ الأمريكي والسعودي في المنطقة. وفي هذا السياق،
مثّل اليمن بالنسبة إلى طهران ساحةً مهمة لتوسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز قدرتها
على التأثير في توازنات المنطقة (الغويدي، 2024).
وتطورت العلاقة بين إيران والحوثيين تدريجيًا؛ فعلى الرغم من وجود أوجه تشابه
أيديولوجية وتأثر بعض قيادات الحركة بالنموذج الثوري الإيراني، لم تظهر في المراحل
الأولى أدلة واضحة على تقديم إيران دعمًا مباشرًا واسعًا للجماعة. وتشير
التقديرات إلى أن الدعم الإيراني بدأ يأخذ طابعًا أكثر وضوحًا منذ نحو عام 2009، ثم
تطور ليشمل الدعم العسكري والخبرات، قبل أن تتعزز العلاقة بصورة أكبر عقب سيطرة
الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014. وبذلك انتقلت العلاقة تدريجيًا من
اتصالات ودعم محدود إلى تعاون أكثر عمقًا على المستويين السياسي والعسكري (الغويدي،
2024).
ويُعد دعم جماعة الحوثيين أحد أبرز مرتكزات الاستراتيجية الإيرانية في اليمن،
في إطار اعتماد طهران على سياسة الوكلاء الإقليميين في عدد من الدول المطلة على
البحر الأحمر. وقد تطورت العلاقة بين إيران والحوثيين تدريجيًا، وازدادت
انفتاحًا عقب سيطرة الجماعة على صنعاء عام 2014، حيث اتجهت
إيران إلى تعزيز قدراتها العسكرية والتسليحية، إلى جانب دعم قدرتها على المناورة
والتفاوض داخل المشهد السياسي اليمني، بما عزز موقعها كفاعل مؤثر في مسار الصراع
اليمني (فوزي، 2023، ص. 2).
ومع تصاعد الحرب اليمنية عقب تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس 2015، ازدادت
أهمية اليمن في الحسابات الإيرانية، وتوسعت أشكال الدعم المقدمة للحوثيين لتشمل
الأسلحة والخبرات، ثم الطائرات المسيّرة والصواريخ وغيرها من القدرات العسكرية. وأسهم
ذلك في تعزيز القدرات القتالية للجماعة وترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في الصراع
اليمني، بما أتاح لإيران توسيع نفوذها من خلال شريك محلي يمتلك قدرات عسكرية
وسياسية متنامية (الغويدي، 2024).
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن السياسة الإيرانية تجاه اليمن لم تقتصر على دعم
طرف محلي في الصراع، وإنما اتجهت إلى توظيف العلاقة مع الحوثيين ضمن استراتيجية
أوسع لتعزيز النفوذ الإقليمي. فقد استفادت طهران من تنامي قدرات الجماعة
في بناء شريك محلي قادر على التأثير في البيئة الأمنية والسياسية لليمن، وعلى
ممارسة ضغوط تمتد تداعياتها إلى محيطه الإقليمي، في حين استفاد الحوثيون من الدعم
الإيراني في تطوير قدراتهم العسكرية وتعزيز موقعهم في موازين القوى الداخلية. ومن ثم،
تبدو العلاقة بين الطرفين قائمة على تلاقي المصالح وتبادل المنفعة الاستراتيجية،
مع احتفاظ كل طرف بدوافعه وأهدافه الخاصة (الغويدي، 2024).
ثانيًا: الدعم الإيراني للحوثيين: الأبعاد العسكرية وقنوات الإسناد
تزايد الدعم الإيراني لجماعة الحوثيين بصورة تدريجية، وتحول من مستوى محدود
إلى دعم أكثر وضوحًا شمل الجوانب العسكرية والسياسية، بما أسهم في تعزيز قدرات
الجماعة وترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في المشهد اليمني. وعلى
الرغم من نفي إيران المتكرر لتقديم دعم عسكري للحوثيين، فإن العلاقة بين الطرفين
شهدت تقاربًا متزايدًا خلال السنوات الماضية، وأصبح الحوثيون جزءًا من شبكة القوى
المرتبطة بما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي
تقوده طهران. وفي المقابل، حافظت الجماعة على قدر من الاستقلالية في
تحديد مواقفها وتحركاتها، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين قائمة على تداخل الدعم
الإيراني مع المصالح والأهداف الخاصة بالحوثيين (دويتشه فيله، 2026).
ويمثل تعزيز القدرات العسكرية للحوثيين أحد أبرز أوجه الدور الإيراني في
الساحة اليمنية، إذ لم يقتصر الدعم الإيراني على المساندة السياسية، وإنما امتد
إلى توفير منظومات تسليح متطورة وخبرات فنية وتدريبية أسهمت في تطوير القدرات
الصاروخية والجوية والبحرية للجماعة. وتشير تقارير إلى
استمرار وصول شحنات أسلحة يُعتقد أنها مرتبطة بإيران، تشمل الصواريخ والطائرات
المسيّرة والرادارات ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ البحرية، بما يعزز قدرة
الحوثيين على تنفيذ عمليات بعيدة المدى وتهديد الأهداف البرية والبحرية (ربيع، 2025).
كما شمل الدعم الإيراني للحوثيين تعزيز قدراتهم العسكرية وتطوير أدواتهم
القتالية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والألغام البحرية
والزوارق السريعة، وهو ما أسهم في زيادة قدرة الجماعة على التأثير في البيئة
الأمنية المحيطة باليمن، ورفع مستوى التهديدات المحتملة للملاحة والمصالح البحرية
في البحر الأحمر (فوزي، 2023، ص. 3).
ويكتسب هذا الدعم أهمية استراتيجية بالنظر إلى الموقع الجغرافي الذي يسيطر
عليه الحوثيون، ولا سيما المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر والقريبة من
باب المندب. فقد ساهم تطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة
والزوارق المفخخة في توسيع نطاق تأثير الجماعة من الداخل اليمني إلى المجال البحري
الإقليمي، بما يتيح لها استهداف السفن وتهديد خطوط الملاحة الدولية. ووفقًا
لتحليلات نقلتها صحيفة الشرق الأوسط، فإن إيران تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم أداة
قادرة على خلق حالة مستمرة من التوتر في أحد أهم الممرات البحرية، الأمر الذي يمنح
طهران ورقة ضغط إضافية في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين (ربيع، 2025).
كما يرتبط الدور الإيراني بتوفير الخبرة التقنية اللازمة لتطوير واستخدام هذه
القدرات، حيث تشير المصادر التي استند إليها التقرير إلى وجود خبراء إيرانيين ومن
حزب الله للمساعدة في تجميع وتطوير بعض الأسلحة المهربة. وبذلك،
لم يعد الدعم الإيراني مقتصرًا على نقل السلاح، وإنما أصبح جزءًا من عملية أوسع
لبناء قدرة عسكرية حوثية أكثر استقلالًا وفاعلية، تستطيع مواصلة العمليات رغم
الضربات الجوية ومحاولات استهداف البنية العسكرية للجماعة (ربيع، 2025).
ولا يقتصر الدعم الإيراني للحوثيين على الجوانب السياسية والعسكرية، وإنما
يمتد إلى توفير قنوات لإمداد الجماعة بالأسلحة. وفي هذا الإطار،
يشير فوزي إلى دراسة تناولت عمليات تهريب أسلحة إيرانية إلى الحوثيين عبر خليج عدن
باتجاه الصومال، بما يعكس أهمية المجال البحري في منظومة الإسناد المرتبطة بالنفوذ
الإيراني في اليمن، ويبرز الدور الذي تؤديه طرق الإمداد البحرية في تعزيز قدرات
الجماعة ودعم حضور إيران غير المباشر في الساحة اليمنية (فوزي، 2023، ص. 4–5).
وفي السياق ذاته، برزت تقديرات بشأن احتمال سعي إيران إلى تعزيز وجود عسكري
مباشر على الساحل اليمني؛ إذ أشار فوزي إلى أن العرض العسكري الذي نفذه الحوثيون
في ميناء الحديدة عام 2022 عُدَّ في بعض التقارير مؤشرًا محتملًا على
التمهيد لإنشاء قاعدة عسكرية إيرانية في الميناء. إلا أن هذا الطرح
يظل في نطاق التقارير والتقديرات، ولا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة مؤكدة في
ظل عدم وجود دليل حاسم يثبت إنشاء قاعدة إيرانية هناك (فوزي، 2023، ص. 3).
ويبرز البعد العسكري لهذا الدعم بصورة خاصة في القدرات التي مكّنت الحوثيين من
تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب؛ إذ تطورت قدراتهم الصاروخية
والطائرات المسيّرة، وأصبح بإمكانهم استخدام هذه القدرات في استهداف السفن وفرض
ضغوط على حركة التجارة البحرية. وقد برز هذا الدور بصورة أوضح منذ عام 2024، عندما
بدأ الحوثيون مهاجمة سفن في البحر الأحمر، الأمر الذي دفع عددًا من شركات الشحن
إلى تغيير مساراتها واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح، بما عكس اتساع التداعيات
الإقليمية والدولية للقدرات العسكرية التي يمتلكها الحوثيون (دويتشه
فيله، 2026).
ومن ثم، لا يقتصر الدعم الإيراني للحوثيين على تعزيز قدرتهم على الصمود داخل
الصراع اليمني، وإنما يساهم أيضًا في توسيع قدرتهم على التأثير في البيئة الأمنية
للبحر الأحمر. وقد أدى تنامي هذه القدرات إلى زيادة القيمة الاستراتيجية
للجماعة بالنسبة إلى طهران، باعتبارها قوة محلية قادرة على التأثير في أحد الممرات
البحرية الحيوية، مع احتفاظ الحوثيين في الوقت ذاته بدرجة من الاستقلالية في
قراراتهم وتحركاتهم (دويتشه فيله، 2026).
ثالثًا: أهداف إيران من دعم الحوثيين
يأتي دعم إيران للحوثيين في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على أدوات
نفوذ إقليمية قادرة على العمل في ظل الضغوط التي تواجهها طهران وتراجع نفوذ بعض
حلفائها في المنطقة. وفي هذا السياق، تمثل الجماعة الحوثية إحدى
الأوراق التي يمكن لإيران الاعتماد عليها بصورة غير مباشرة في إدارة الصراع مع
الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة مع امتلاكها قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تمكنها
من تنفيذ عمليات تتجاوز نطاق الساحة اليمنية (سكاي نيوز عربية،
2026).
ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية لهذا الدعم في توسيع نطاق الضغط على الخصوم ورفع
تكلفة المواجهة، من خلال الاستفادة من تعدد ساحات الصراع وعدم حصر المواجهة في
الأراضي الإيرانية. فوجود جماعة مسلحة حليفة لطهران في اليمن،
وقربها من البحر الأحمر وباب المندب، يوفر لإيران إمكانية التأثير بصورة غير
مباشرة في أمن الملاحة والتجارة والطاقة، بما يضيف جبهة ضغط أخرى إلى جانب مضيق
هرمز (سكاي
نيوز عربية، 2026).
كما يستهدف الدعم الإيراني الحفاظ على شبكة النفوذ الإقليمية وتنسيق أدوار
أذرعها المسلحة، في ظل تراجع قدرة بعض حلفائها التقليديين على أداء الأدوار التي
كانوا يضطلعون بها سابقًا. ووفقًا لتحليل سكاي نيوز عربية، أعادت
إيران ترتيب طريقة إدارة أذرعها الإقليمية، مع استمرار التنسيق وتبادل الموارد
والخبرات بين الحوثيين وبعض الفصائل العراقية وحزب الله، تحت توجيه الحرس الثوري
الإيراني، بما يعزز قدرة طهران على توزيع أدوار الضغط بين ساحات متعددة (سكاي
نيوز عربية، 2026).
ويهدف هذا النهج كذلك إلى تعزيز القدرة الإيرانية على الاستنزاف غير المباشر
والمساومة السياسية؛ إذ إن استمرار امتلاك الحوثيين لقدرات عسكرية متطورة يتيح
لطهران الاحتفاظ بأداة يمكن استخدامها لرفع تكلفة الضغوط العسكرية والسياسية
عليها، دون الاضطرار إلى تحمل كامل تبعات المواجهة المباشرة. ومن ثم،
لا يقتصر دعم الحوثيين على اعتبارات أيديولوجية أو مرتبطة بالصراع اليمني، وإنما
يرتبط أيضًا بحسابات تتعلق بإدارة القوة والنفوذ وتعدد جبهات الضغط الإقليمي (سكاي
نيوز عربية، 2026).
ومن منظور استراتيجي، يوفر هذا النمط من الدعم لإيران إمكانية استخدام القوة
الحوثية كأداة للضغط والاستنزاف دون تحمل تكلفة المواجهة المباشرة؛ فكلما ازدادت
القدرات العسكرية للحوثيين، اتسعت قدرتهم على تهديد المصالح الأمريكية
والإسرائيلية وحركة الملاحة في البحر الأحمر، وازدادت في المقابل القيمة
الاستراتيجية لهذه الجماعة ضمن أدوات النفوذ الإيراني الإقليمي. ويصف بعض
الباحثين هذا النهج بأنه نوع من «توزيع الأحمال»، بحيث
تنتقل بعض تكاليف المواجهة من إيران إلى الساحة اليمنية، مع احتفاظ طهران بهامش
إنكار وتجنب الانخراط العسكري المباشر (ربيع، 2025).
وبناءً على ذلك، يمكن تحديد أبرز أهداف إيران من دعم الحوثيين في: توسيع
نطاق الضغط على خصومها، الحفاظ على نفوذها الإقليمي، توظيف الموقع الجغرافي لليمن
في التأثير على أمن البحر الأحمر وباب المندب، وتوفير أداة للمواجهة والاستنزاف
غير المباشر بما يخدم مصالح طهران السياسية والأمنية.
رابعًا: اليمن والبحر الأحمر: الأهمية الجيوسياسية وأهداف إيران
يمثل اليمن أحد المكونات المهمة في الاستراتيجية الإيرانية تجاه البحر الأحمر،
مستفيدًا من موقعه الجغرافي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وإشرافه على مضيق باب
المندب، إلى جانب امتلاكه عددًا من الموانئ والجزر ذات الأهمية الاستراتيجية. وفي هذا
الإطار، عملت إيران على توظيف علاقاتها مع جماعة الحوثيين لتعزيز نفوذها داخل
اليمن، بما أتاح لها بناء موطئ قدم بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية الدولية،
وتوسيع نطاق حضورها الجيوسياسي في منطقة البحر الأحمر (فوزي، 2023، ص. 2).
كما اتخذت السياسة الإيرانية تجاه اليمن بُعدًا استراتيجيًا يرتبط بالموقع
الجغرافي للبلاد، ولا سيما إشرافها على مضيق باب المندب والبحر الأحمر. فقد
أتاحت القدرات العسكرية التي طوّرها الحوثيون بدعم إيراني لطهران امتلاك ورقة ضغط
في منطقة ذات أهمية بالنسبة إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية. وفي هذا
الإطار، أسهم تزويد الحوثيين بالطائرات المسيّرة والصواريخ، بما فيها الصواريخ
المضادة للسفن، في تعزيز قدرتهم على تهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر، الأمر
الذي منح إيران إمكانية توظيف الساحة اليمنية ضمن أدوات الضغط الإقليمية غير
المباشرة (الغويدي، 2024).
وتسعى إيران من خلال حضورها المتنامي في البحر الأحمر إلى توظيف الموقع
الجغرافي لليمن، ولا سيما قربه من مضيق باب المندب، كأداة لتعزيز قدرتها على
التأثير في البيئة الأمنية والإقليمية. ويأتي توظيف
جماعة الحوثيين في هذا السياق باعتباره وسيلة للضغط غير المباشر على الولايات
المتحدة وحلفائها، بما يتيح لطهران توسيع نطاق تأثيرها في أحد أهم الممرات البحرية
الدولية دون الانخراط بصورة مباشرة في مواجهة عسكرية مفتوحة. كما يمنح
استمرار التهديدات للملاحة الإيرانية قدرة أكبر على التأثير في الحسابات الأمنية
والاقتصادية للدول المعنية بأمن البحر الأحمر (هاشم، 2024).
ولا يقتصر الهدف الإيراني على التأثير في أمن الملاحة، وإنما يمتد إلى إعادة
تشكيل معادلات النفوذ والتوازن الإقليمي في البحر الأحمر. فمن خلال
دعم فاعل محلي يمتلك القدرة على التأثير في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، تستطيع
إيران الاحتفاظ بأداة ضغط يمكن تفعيلها وفق تطورات صراعاتها الإقليمية والدولية،
بما في ذلك التنافس مع الولايات المتحدة. ويؤدي ذلك إلى
رفع تكلفة أي ضغوط تُمارس على طهران، عبر توسيع نطاق المواجهة بصورة غير مباشرة
إلى ساحات وممرات بحرية ذات أهمية استراتيجية (هاشم، 2024).
كذلك تستهدف الاستراتيجية الإيرانية التأثير في المشروعات الاقتصادية
والترتيبات الإقليمية المرتبطة بالبحر الأحمر، إذ إن اضطراب الملاحة في هذا الممر
الحيوي لا ينعكس على حركة التجارة فحسب، وإنما يمكن أن يؤثر في مشروعات الربط
الاقتصادي والتعاون الإقليمي التي تعتمد على استقرار خطوط الملاحة. ومن ثم،
يتحول البحر الأحمر في الحسابات الإيرانية إلى مساحة تجمع بين الأهداف الأمنية
والجيوسياسية والاقتصادية، وتتيح لطهران استخدام النفوذ البحري كأداة لتعزيز
موقعها في التنافس الإقليمي والدولي (هاشم، 2024).
خامسًا: باب المندب في الاستراتيجية الإيرانية والتكامل مع مضيق هرمز
يمثل مضيق باب المندب أحد أهم عناصر القيمة الجيوسياسية في الاستراتيجية الإيرانية
تجاه البحر الأحمر، ليس باعتباره مجالًا للسيطرة الإيرانية المباشرة، وإنما
باعتباره مساحة يمكن لطهران الاستفادة من النفوذ الحوثي فيها لتعزيز قدرتها على
الضغط والمناورة الإقليمية. وقد اكتسب هذا التوظيف أهمية أكبر مع
التقدم الميداني للحوثيين على الساحل الغربي لليمن، حيث أفادت تقارير في سبتمبر 2026 بسيطرتهم
على مدينة المخا، ثم منطقة ذو باب وجزيرة ميون الواقعة داخل مضيق باب المندب، بما
منح الجماعة وجودًا مباشرًا بالقرب من أحد أهم ممرات الملاحة الدولية (بي بي سي
نيوز عربي، 2026).
ويمنح هذا التموضع الجغرافي إيران أداة نفوذ غير مباشرة يمكن توظيفها في إدارة
صراعاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها؛ فامتلاك الحوثيين القدرة على التأثير في
حركة الملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يرفع القيمة الاستراتيجية للورقة
اليمنية بالنسبة لطهران، ويتيح لها توسيع نطاق الضغط خارج حدود الخليج العربي. وتزداد
أهمية هذه الورقة في ظل الارتباط الاستراتيجي بين باب المندب ومضيق هرمز، إذ إن
تعرض الممرين لاضطرابات متزامنة يمكن أن يضاعف الضغوط على حركة التجارة وإمدادات
الطاقة العالمية (بي بي سي نيوز عربي، 2026).
ومن ثم، فإن أهمية باب المندب في الاستراتيجية الإيرانية لا تنبع من سعي طهران
إلى امتلاك المضيق أو إدارته بصورة مباشرة، وإنما من قدرتها على الاستفادة من وجود
حليف مسلح يمتلك نفوذًا ميدانيًا على مقربة منه. ويحول هذا الوضع
باب المندب إلى ورقة ضغط جيوسياسية يمكن استخدامها بحسب تطورات الصراع الإقليمي،
بما يعزز قدرة إيران على رفع تكلفة الضغوط عليها، وتوسيع نطاق المواجهة غير
المباشرة، والتأثير في حسابات القوى الدولية والإقليمية المعنية بأمن البحر الأحمر
(بي بي سي
نيوز عربي، 2026).
ويمثل باب المندب أحد أبرز المجالات التي تتقاطع فيها الجغرافيا البحرية مع
الحسابات الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، إذ تتيح التطورات الميدانية على
الساحل الغربي لليمن لجماعة الحوثيين، بوصفها حليفًا مدعومًا من طهران، إمكانية
توظيف موقعها الجغرافي القريب من المضيق في التأثير على أمن الملاحة وحركة التجارة
الدولية.
ويكشف التقدم الحوثي باتجاه المناطق الساحلية والجزر ذات
الأهمية الاستراتيجية أن توظيف القدرات العسكرية لم يعد مقتصرًا على الصراع
الداخلي اليمني، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أكبر باستخدام الجغرافيا البحرية كأداة
ضغط ضمن صراعات إقليمية ودولية أوسع (الجابر، 2026).
وتزداد أهمية هذه الورقة في ظل الترابط الاستراتيجي بين مضيقي هرمز وباب
المندب؛ فامتلاك حليف لإيران القدرة على تهديد المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يمنح
طهران مجالًا إضافيًا للمناورة والضغط، ويتيح لها توسيع نطاق التأثير في أمن
الطاقة والتجارة الدولية. ومن هذا المنظور، لا تتمثل الاستراتيجية
الإيرانية في السيطرة المباشرة على باب المندب، وإنما في الاستفادة من النفوذ
الحوثي في المناطق المحيطة به لتحويل المضيق إلى ورقة ضغط جيوسياسية يمكن
استخدامها بحسب تطورات التنافس الإقليمي والدولي (الجابر، 2026).
كما أن ضعف وتشتت القوى المناهضة للحوثيين داخل اليمن يمثل عاملًا مساعدًا على
استمرار هذا الوضع؛ إذ يؤدي تعدد مراكز القوى العسكرية والسياسية وتعارض أولوياتها
إلى إضعاف القدرة على بناء جبهة يمنية موحدة قادرة على تأمين الساحل والجزر
والمناطق المحيطة بباب المندب. وبالتالي، فإن تعزيز الأمن البحري في
المضيق لا يرتبط فقط بحماية السفن في الممر الملاحي، وإنما يتطلب معالجة البيئة
السياسية والأمنية على الساحل اليمني، بما يحول دون تحول المناطق الساحلية والجزر
الاستراتيجية إلى منصات دائمة لامتلاك أو تشغيل الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات
البحرية (الجابر، 2026).
وعليه، فإن باب المندب يؤدي في الاستراتيجية الإيرانية وظيفة تتجاوز كونه
ممرًا بحريًا؛ فهو يمثل أداة محتملة لإعادة توزيع النفوذ ورفع تكلفة الضغوط على
طهران، من خلال ربط الساحة اليمنية بمعادلات أمن البحر الأحمر والخليج العربي. ويجعل
ذلك من استمرار النفوذ الحوثي بالقرب من المضيق عنصرًا مؤثرًا في حسابات الأمن
الإقليمي والدولي، خصوصًا في ظل ارتباط حرية الملاحة في البحر الأحمر باستقرار
التجارة العالمية وإمدادات الطاقة (الجابر، 2026).
ويمثل باب المندب أحد المكونات الرئيسية في الاستراتيجية الإيرانية للضغط غير
المباشر في الإقليم، بالنظر إلى موقعه كحلقة وصل بين البحر الأحمر وخليج عدن
والمحيط الهندي، وارتباطه بحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. وفي هذا
السياق، لا تقوم المقاربة الإيرانية على السيطرة المباشرة على المضيق، وإنما على
توظيف نفوذها لدى جماعة الحوثيين وقدراتها العسكرية المتنامية في المناطق الساحلية
اليمنية القريبة منه، بما يمنح طهران قدرة إضافية على التأثير في أمن الملاحة ورفع
تكلفة الضغوط عليها دون الانخراط المباشر في المواجهة (McGurk, 2026).
وتبرز أهمية باب المندب بالنسبة لإيران بصورة أوضح في ضوء الترابط بينه وبين
مضيق هرمز؛ فبينما يمثل هرمز منفذًا رئيسيًا لحركة الطاقة من الخليج، يوفر باب
المندب نقطة ضغط مقابلة على حركة التجارة والطاقة في البحر الأحمر. ومن ثم،
فإن امتلاك حليف محلي قادر على تهديد الملاحة بالقرب من المضيق يمنح طهران ورقة
استراتيجية يمكن تفعيلها وفق تطورات الصراع الإقليمي، بما يعزز قدرتها على
المناورة والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها. ويشير ماكغورك
إلى أن الدعم الإيراني للحوثيين، بما شمل الأسلحة ومكونات الصواريخ والطائرات
المسيّرة والتدريب والخبرة التقنية، أسهم في نقل الجماعة من إطار التمرد المحلي
إلى قوة قادرة على التأثير في أحد الممرات البحرية الحيوية عالميًا (McGurk, 2026).
وفي هذا الإطار، اكتسب التقدم الحوثي نحو المناطق المطلة مباشرة على باب
المندب أهمية خاصة؛ إذ إن امتلاك الجماعة قدرات نارية أقرب إلى الممر الملاحي، إلى
جانب وجودها في جزيرة ميون، يوسع نطاق قدرتها المحتملة على تهديد السفن العابرة
للمضيق.
ولا يعني ذلك أن إيران تسيطر على باب المندب بصورة مباشرة،
وإنما أن تطور القدرات الحوثية يوفر لطهران ورقة ضغط غير مباشرة يمكن توظيفها في
إدارة الصراع الإقليمي، خصوصًا في ظل قدرة الحوثيين على التأثير في حركة الملاحة
دون الحاجة إلى إعلان إغلاق المضيق فعليًا (McGurk, 2026).
وتكشف التطورات في مضيقي هرمز وباب المندب عن ترابط واضح بين الجغرافيا
البحرية وأدوات الضغط التي يمكن لإيران توظيفها في إدارة صراعاتها الإقليمية. فمضيق
هرمز يمثل بالنسبة إلى طهران نقطة ضغط مباشرة بحكم موقعه عند مدخل الخليج وارتباطه
بحركة صادرات الطاقة، في حين يمثل باب المندب امتدادًا استراتيجيًا لهذا الضغط من
الجهة الجنوبية للبحر الأحمر، ولا سيما في ظل النفوذ الحوثي على أجزاء من الساحل
اليمني.
وقد أظهرت بيانات شركة «كبلر» تراجع
حركة الملاحة في باب المندب من 28 سفينة إلى 21 سفينة
خلال يوم واحد، بالتزامن مع انخفاض ملحوظ في حركة العبور عبر هرمز، بما يعكس
حساسية الممرين للتوترات الأمنية في المنطقة (سكاي نيوز عربية،
2026).
ويكتسب هذا الترابط أهمية خاصة في الاستراتيجية الإيرانية؛ إذ إن الجمع بين
الضغط المباشر في هرمز والضغط غير المباشر عبر النفوذ الحوثي بالقرب من باب المندب
يتيح لطهران توسيع نطاق أدواتها دون الاعتماد على جبهة واحدة. فبينما
تستطيع إيران التأثير في أمن الطاقة عبر موقعها الجغرافي المباشر على هرمز، يمكنها
الاستفادة من القدرات العسكرية للحوثيين للتأثير في حركة التجارة والملاحة عبر
البحر الأحمر، بما يخلق ضغطًا متزامنًا على مسارين بحريين ذوي أهمية دولية.
ومن ثم، فإن العلاقة بين هرمز وباب المندب لا تعني أن إيران تسيطر على
المضيقين، وإنما تكشف عن تكامل وظيفي بين أداتين للضغط: الأولى
مباشرة عبر القدرات الإيرانية في الخليج، والثانية غير مباشرة من خلال الحليف
الحوثي في اليمن. ويمنح هذا التكامل طهران هامشًا أوسع
للمناورة ورفع تكلفة المواجهة، خصوصًا أن اضطراب الملاحة في أي من المضيقين يمكن
أن ينعكس على حركة الطاقة والتجارة الدولية. وبذلك يصبح باب
المندب، إلى جانب هرمز، جزءًا من معادلة أوسع تستخدم فيها إيران الجغرافيا البحرية
وشبكة حلفائها لتعزيز قدرتها على الضغط والاستنزاف في البيئة الإقليمية (سكاي
نيوز عربية، 2026).
سادسًا: اليمن كأداة للضغط الإيراني على الخصوم الإقليميين والدوليين
لا تنفصل الاستراتيجية الإيرانية في اليمن والبحر الأحمر عن طبيعة الصراع
الأوسع مع خصومها الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم إسرائيل والولايات المتحدة
والسعودية. وفي هذا السياق، يمثل توظيف القدرات العسكرية للحوثيين إحدى
أدوات طهران في توسيع نطاق الضغط غير المباشر على هذه الأطراف، مستفيدةً من الموقع
الجغرافي لليمن وإطلالته على البحر الأحمر وباب المندب. ويبرز
ذلك بوضوح في تصعيد الحوثيين لهجماتهم على الملاحة المرتبطة بإسرائيل، بالتزامن مع
التوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل، بما يعكس إمكانية استخدام الجبهة اليمنية
لفتح مسار ضغط إضافي على الخصوم دون انتقال المواجهة الإيرانية إليهم بصورة مباشرة.
وتتجاوز أهمية هذا التوظيف البعد العسكري إلى تأثيره في المصالح الاقتصادية
والأمنية للولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل. فقد أشارت
يورونيوز إلى أن هجمات الحوثيين السابقة على حركة الشحن في البحر الأحمر دفعت
شركات ملاحية إلى تغيير مساراتها حول جنوب إفريقيا، كما تراجعت كميات النفط
العابرة لباب المندب بصورة ملحوظة خلال فترة التصعيد. ومع تجدد
التهديدات الحوثية للملاحة بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، تبرز إمكانية نشوء ضغط
متزامن على اثنين من أهم الممرات البحرية العالمية، بما يزيد من تكلفة الاضطراب
بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، ويمنح إيران مجالًا إضافيًا
للمناورة في مواجهة خصومها (Brezar, 2026).
وعليه، يمكن النظر إلى الدعم الإيراني للحوثيين باعتباره جزءًا من استراتيجية
أوسع لإدارة الصراع مع الخصوم عبر أدوات غير مباشرة؛ فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى
الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة أو السعودية، وإنما
تستطيع توظيف حلفائها الإقليميين وقدراتهم العسكرية والجغرافية لرفع تكلفة المواجهة،
وتهديد المصالح الحيوية، وتشتيت موارد الخصوم على أكثر من جبهة. ومن هذه
الزاوية، يمثل اليمن وباب المندب أحد مسارات الضغط ضمن شبكة أوسع من أدوات النفوذ
الإيرانية، تتكامل مع الموقع الإيراني المباشر في الخليج ومضيق هرمز.
خاتمة
تكشف دراسة الاستراتيجية الإيرانية تجاه اليمن أن المقاربة الإيرانية لم تعد
تقتصر على دعم طرف فاعل في الصراع اليمني، وإنما أصبحت جزءًا من رؤية أوسع لإدارة
النفوذ الإقليمي وتوظيف الأزمات ومواقع الاختناق الجغرافي في تعزيز القدرة على
المناورة الاستراتيجية. وقد أسهم تطور العلاقة بين إيران
والحوثيين في انتقال هذه العلاقة من مستويات الدعم السياسي إلى مستويات أكثر
تعقيدًا تشمل الإسناد العسكري والتقني، بما عزز القدرات العملياتية للحوثيين ورفع
من قدرتهم على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة.
كما يتضح أن أهمية اليمن بالنسبة لإيران ترتبط بصورة وثيقة بموقعه الجغرافي،
ولا سيما إشرافه على البحر الأحمر ومضيق باب المندب. فامتلاك
الحوثيين قدرات عسكرية وصاروخية وطائرات مسيّرة وقدرات بحرية يوفر لطهران أداة ضغط
غير مباشرة في منطقة تتجاوز أهميتها حدود اليمن، نظرًا لارتباطها بأمن الملاحة
الدولية وحركة التجارة والطاقة. ومن ثم، فإن توظيف الموقع اليمني يتيح
لإيران توسيع نطاق تأثيرها دون الحاجة إلى وجود عسكري إيراني مباشر ومعلن في
المنطقة.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن الدعم الإيراني للحوثيين يرتبط بمجموعة من الأهداف
المتداخلة؛ من بينها الحفاظ على إحدى أدوات النفوذ في الإقليم، والضغط على الخصوم،
ورفع تكلفة الوجود والتحركات الأمريكية والإسرائيلية، فضلًا عن تعزيز قدرة إيران
على إدارة الصراع من خلال جبهات متعددة. وفي هذا الإطار،
يمثل الحوثيون بالنسبة لطهران فاعلًا محليًا يمتلك قدرًا من الاستقلالية، لكنه
يوفر في الوقت نفسه مجالًا لتوظيف القدرات المحلية في خدمة حسابات إقليمية أوسع.
ويكتسب باب المندب أهمية خاصة ضمن هذه المعادلة، باعتباره نقطة اتصال بين
البحر الأحمر وخليج عدن، وبالنظر إلى ارتباطه بمنظومة أوسع من الممرات البحرية
الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. ويعني ذلك أن التوتر في أحد هذين المضيقين
يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز نطاقه الجغرافي المباشر، خصوصًا عندما يتزامن مع
أزمات أمنية وسياسية في مناطق أخرى من الإقليم. ومن هنا، يمثل
البحر الأحمر أحد المجالات التي تتقاطع فيها الاستراتيجية الإيرانية مع اعتبارات
الأمن البحري والتنافس الإقليمي والدولي.
وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى اليمن باعتباره أحد مكونات منظومة النفوذ
الإيراني الإقليمي، وليس مجرد ساحة منفصلة عن بقية التفاعلات في الشرق الأوسط. إلا أن
فاعلية هذه الاستراتيجية تظل مرتبطة بمجموعة من المتغيرات، من بينها تطورات الصراع
اليمني، ومستوى القدرات العسكرية للحوثيين، وطبيعة الاستجابة الإقليمية والدولية،
ومستقبل الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر. وعليه، فإن
استمرار توظيف الساحة اليمنية في الحسابات الإيرانية سيظل عاملًا مؤثرًا في إعادة
تشكيل معادلات الأمن الإقليمي، وفي تحديد طبيعة التوازن بين القوى المتنافسة على
النفوذ في البحر الأحمر وممراته الاستراتيجية.



