مقالات

عبدالله سلمان يكتب: خطاب نعيم قاسم..  قراءة في مؤشرات المرحلة المقبلة

في السياسة، لا تُقرأ الخطابات من كلماتها فقط بل من توقيتها أيضًا. لذلك بدا خطاب نعيم قاسم وكأنه يتجاوز حدود الرسائل الداخلية المباشرة، ليفتح بابًا واسعًا أمام تساؤلات ترتبط بلحظة إقليمية دقيقة تعيشها المنطقة. ففي وقت تتزايد فيه الأحاديث عن مسارات تفاوض وتسويات محتملة وخصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة بين واشنطن وطهران، يصبح من المشروع البحث عمّا وراء لهجة التصعيد، وما إذا كانت تعكس موقفًا داخليًا فحسب أم ترتبط بحسابات أكبر ما تزال قيد التشكل.

من هذا المنطلق، لا يبدو الخطاب مجرد موقف سياسي مرتبط بخلاف حكومي أو بسجال لبناني عابر، بل يحمل أبعادًا تتجاوز المشهد اللبناني الضيق. فالدعوة إلى وقف المفاوضات والتلويح بإسقاط الحكومة، والتشديد على التمسك بالسلاح باعتباره خيارًا ثابتًا غير قابل للنقاش ليست مواقف تمر من دون إثارة أسئلة حساسة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود العلاقة بين الدولة والسلاح وموقع لبنان ضمن شبكة التوازنات الإقليمية.

يفتح الخطاب باب تساؤلات أخرى تتجاوز الساحة اللبنانية نحو المشهد الإقليمي بأكمله، فهل تمثل لهجة التصعيد مجرد موقف مرتبط بظروف داخلية، أم أنها قد تُقرأ أيضًا كإشارة إلى مرحلة إعادة تموضع أوسع لمحور إيران في المنطقة؟

وإذا كانت هذه اللهجة التصعيدية تأتي قبل أي تفاهمات محتملة في المنطقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى: كيف يمكن أن تبدو الصورة إذا تغيّرت المعادلات لاحقًا؟ وإذا حصلت إيران على ما تعتبره مكاسب سياسية أو استراتيجية في أي تسوية مقبلة، فأي موقع سيشغله لبنان ضمن تلك الحسابات؟ والأهم هل يجد الجنوب نفسه مرة اخرى في قلب صراعات تتجاوز حدوده وجغرافيته أم أن المرحلة المقبلة قد تحمل مسارًا مختلفًا يعيد الاعتبار للدولة ولمنطق الاستقرار؟

إذا جرى التعامل مع خطاب نعيم قاسم بوصفه مؤشرًا على ملامح المرحلة المقبلة، فإن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في بقاء حزب الله محتفظًا بعناصر قوته السياسية والعسكرية، بما يسمح له بالحفاظ على تأثيره الواسع في موازين القوى الداخلية وإعادة تشكيل المشهد السياسي بما ينسجم مع مصالحه وتحالفاته. غير أن القلق لا يرتبط بالداخل اللبناني فقط، بل بما قد تحمله لهجة الخطاب من تداعيات ، إذ قد يرى البعض أنها تمنح إسرائيل فرصة عسكرية إضافية لتبرير أي تصعيد محتمل ضد الجنوب، وتقديم لبنان مجددًا بوصفه ساحة صراع أكثر منه دولة تمتلك قرارها السيادي الكامل. وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد خطاب سياسي: هل يقف لبنان أمام مرحلة إعادة تموضع داخلي، أم أمام اختبار جديد لموقع الدولة نفسها؟

وفي سياق أوسع، يفتح الخطاب باب تساؤلات أخرى تتجاوز الساحة اللبنانية نحو المشهد الإقليمي بأكمله، فهل تمثل لهجة التصعيد مجرد موقف مرتبط بظروف داخلية، أم أنها قد تُقرأ أيضًا كإشارة إلى مرحلة إعادة تموضع أوسع لمحور إيران في المنطقة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل نشهد عودة لمحاولة استعادة مستويات التأثير السابقة في ساحات مثل العراق واليمن، ضمن مقاربة تقوم على إعادة تثبيت أوراق القوة والنفوذ بعد مرحلة شهدت تحولات وضغوطًا متسارعة؟ تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، لكنها تكتسب أهميتها من توقيت الخطاب وما يحيط به من متغيرات إقليمية متشابكة.

وفي ضوء هذا الخطاب، يبرز سؤال أكثر حساسية يتعلق بسوريا بعد التحولات الكبرى التي شهدتها الساحة السورية، ولا سيما بعد سقوط نظام الأسد وتراجع أو إبعاد النفوذ الإيراني وحزب الله من المشهد السوري. فهذه المتغيرات لا تمثل مجرد تبدل في التحالفات، بل قد تعني إعادة صياغة كاملة للتوازنات التي قامت عليها بنية النظام السياسي لسنوات. ومن هذا المنطلق، قد يرى البعض أن أي محاولة لإعادة إحياء أدوار المحور الإقليمي السابق تحمل بعدًا يتجاوز النفوذ التقليدي، ليصل إلى ما يشبه معركة مرتبطة بمستقبل النظام السياسي السوري نفسه، واحتمال مواجهة تهديدات وجودية إذا فُرضت عليه معادلات إقليمية جديدة تختلف جذريًا عن تلك التي حكمت المرحلة السابقة.

وفي الإطار نفسه، يمتد التساؤل إلى دول الخليج التي اتخذت خلال الفترة الماضية خطوات أمنية وسياسية مشددة تجاه ما اعتبرته شبكات أو أذرع مرتبطة بإيران، سواء عبر حملات اعتقال أو تضييق أو إعادة رسم مقاربتها للملف الأمني الداخلي في دول مثل البحرين والكويت والإمارات. فهذه الدول بنت جزءًا من سياساتها خلال المرحلة الماضية على فرضية احتواء النفوذ الموازي ومنع تشكل مراكز تأثير خارج إطار الدولة. ومن هنا، يبرز السؤال عمّا إذا كانت أي محاولة لإعادة تموضع إقليمي أو استعادة أدوار سابقة ستعيد معها هواجس المواجهة القديمة، أم أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة تُدار فيها التوازنات بأدوات سياسية واقتصادية أكثر من اعتمادها على شبكات النفوذ التقليدية،فالسياسة في المنطقة أثبتت أن النفوذ لا يختفي بالكامل، بل يعيد تموضعه كلما تغيرت الظروف وتبدلت موازين القوى.

*كاتب وباحث في الشأن السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى