
«عمخا يسرائيل».. حين تتحول صدمة 7 أكتوبر إلى مشروع سياسي
د. عماد عنان
في الخامس والعشرين من أغسطس/آب الجاري، كشف العميد احتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي، عوفر فينتر، عن تدشين حزب سياسي جديد تحت اسم “عمخا يسرائيل”، أي “شعبك إسرائيل”، استعدادًا لانتخابات الكنيست الـ26، المزمع إجراؤها بعد نحو شهرين، في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
ولا يمكن التعاطي مع الحزب الجديد باعتباره مجرد رقم يُضاف إلى الخريطة الحزبية الإسرائيلية المتخمة بالأحزاب، والتي تضم نحو 170 حزبًا مسجلًا، غالبيتها إما خاملة أو محدودة الحضور والتأثير، فالأهمية الحقيقية لـ«عمخا يسرائيل» تكمن في مساحة التأثير المحتملة التي يسعى إلى احتلالها داخل معسكر اليمين، وفي قدرته على منافسة الأحزاب التي تهيمن على المشهد السياسي الإسرائيلي واستقطاب شرائح من قواعدها الانتخابية.
ورغم انتماء الحزب أيديولوجيًا إلى التيار اليميني القومي المتشدد، فإنه يقدم نفسه بوصفه حالة مختلفة نسبيًا من حيث الهوية والتركيبة وخلفيات قياداته السياسية والعسكرية، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات أن يمثل رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية وأن ينافس بشكل أو بأخر بعض الأحزاب الصهيونية ذات الحضور القوي سياسيًا على رأسها حزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش، بما يسمح له بأن يكون له كلمه مسموعة في تحديد هوية الحكومة المقبلة.. فماذا نعرف عن “عمخا يسرائيل”؟
غزة تُغير المزاج وتعيد تشكيل المشهد
بداية يمكن النظر إلى هذا الحزب الوليد بوصفه أحد أبرز مخرجات حرب غزة، التي أعادت خلط الأوراق وقلبت الكثير من معادلات المشهد السياسي في الداخل الإسرائيلي رأسًا على عقب، ووفق منطق “انسف حمامك القديم”، يمكن القول إن ما بعد هذه الحرب لن يكون، بأي حال من الأحوال، كما كان قبلها، بعدما أحدثت تحولات عميقة في بنية التفكير السياسي والأمني الإسرائيلية، وفرضت على مختلف القوى مراجعة حساباتها ومقارباتها السابقة.
ومن هذا السياق جاء تدشين الحزب الجديد، الذي خرج، بصورة أو بأخرى، من رحم الإخفاق الإسرائيلي في مواجهة عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبعيدًا عن النتائج التي حققتها إسرائيل لاحقًا على مدار أكثر من عامين من الحرب الإجرامية على غزة، فإن “الطوفان” ترك صدىً مزلزلا في الداخل الإسرائيلي، وأجبر المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية على إعادة تقييم المشهد برمته، بعد انهيار جانب كبير من نظريات الردع، وانكشاف مواطن الضعف والقصور في منظومة القرار والأمن والاستخبارات.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، جاءت انطلاقة فينتر، نحو تدشين حزبه الجديد؛ إذ يسعى من خلاله إلى تقديم مقاربة مغايرة للمقاربات الأمنية والسياسية التقليدية، تقوم على مزج الخبرة العسكرية بالعمل السياسي، مع محاولة النأي بنفسه عن إرث القيادات التي ارتبط اسمها بإخفاق السابع من أكتوبر، رغم محاولات استعادة الردع و”كي الوعي” التي أعقبت تلك الحرب لكنها ظلت وستظل كابوسًا يؤرق مضاجع النخبة في الداخل الإسرائيلي مهما رُفعت شعارات النصر ورُددت هتافات التفوق الميداني.
قومية أكثر تشددًا
من حيث الشكل، ينتمي حزب “عمخا يسرائيل” إلى التيار اليميني القومي في إسرائيل، لكنه يبدو أكثر تشددًا من كثير من نظرائه في المشهد، بمن فيهم حزبا إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، ومع ذلك، لا يسعى الحزب إلى تقديم نفسه بوصفه حزبًا صهيونيًا دينيًا خالصًا، بقدر ما يحاول ارتداء عباءة أكثر شمولًا، تتيح له استقطاب طيف أوسع من التيارات والقوى والخلفيات الأيديولوجية والاجتماعية.
ورغم أن الحزب لم يطرح حتى الآن برنامجًا سياسيًا متكاملًا وواضح المعالم، فإن إطلالته الأولى، من خلال قياداته وأسماء قائمته المعلنة، توحي بأنه يحاول التمايز، شكلًا ومضمونًا، عن بقية الأحزاب التي تتنافس على أصوات اليمين المتشدد في الداخل الإسرائيلي، فتركيبته تضم متدينين وعلمانيين، وسكان مستوطنات ومدن وكيبوتسات، إلى جانب عسكريين ومدنيين، في محاولة لصياغة قاعدة سياسية تتجاوز الاصطفافات التقليدية داخل معسكر اليمين.
وحتى في ما يتعلق بالعرب، ورغم الأيديولوجية المتشددة التي ينطلق منها الحزب، فإنه لا يتبنى خطابًا عدائيًا عامًا تجاههم، بل تحدثت قياداته عن إمكانية بناء علاقة مع العرب الذين يُظهرون ولاءً للكيان الإسرائيلي ويتبنون هويته السياسية، ومن هذا المنطلق جاء اختيار الناشط العربي المسيحي الإسرائيلي المؤيد للصهيونية يوسف حداد ليشغل موقع الرجل الثاني في الحزب، وهو اختيار لا يخلو من دلالات سياسية ورمزية، ويعكس محاولة الحزب تقديم نفسه كإطار قومي واسع لا يقتصر على القاعدة اليهودية الدينية التقليدية.
ما الذي يميزه عن بقية الأحزاب الدينية؟
يتميّز الحزب الجديد عن بقية أحزاب اليمين الديني والقومي، وفي مقدمتها الليكود، والصهيونية الدينية، وعوتسما يهوديت، بأنه يقدّم نفسه، أولًا، بوصفه كيانًا لم يكن شريكًا في إخفاقات السابع من أكتوبر، وأن قياداته لم تكن جزءًا من النخبة السياسية والأمنية التي عجزت عن منع العملية التي أحدثت تحولًا عميقًا في البنية الفكرية والسياسية داخل إسرائيل، وهذه هي إحدى أهم الأوراق التي يراهن عليها فينتر في خطابه، عبر تقديم حزبه باعتباره مشروعًا يولد من خارج دائرة المسؤولية المباشرة عن ذلك الإخفاق.
إلى جانب ذلك، يسعى الحزب إلى بناء قاعدة شعبية أكثر مرونة واتساعًا من القواعد التقليدية التي استندت إليها أحزاب اليمين الديني، والتي خاطبت تاريخيًا الشرائح الدينية والقومية والاستيطانية بالدرجة الأولى، حيث يحاول فتح المجال أمام طيف أوسع من التيارات والخلفيات الاجتماعية والأيديولوجية، بما يمنحه هامشًا أكبر في صياغة خطاب سياسي قادر على مخاطبة شرائح تتجاوز الحاضنة التقليدية لليمين الديني.
ويُضاف إلى ذلك البعد العسكري الذي يمنحه فينتر للحزب بحكم مسيرته الطويلة في جيش الاحتلال وتوليه عددًا من المواقع القيادية، فهو يقدّم نفسه للشارع الإسرائيلي، ولا سيما للجمهور اليميني والقومي، بوصفه ضابطًا ذا نزعة هجومية وخطاب ديني واضح، مدعومًا بخبرة ميدانية وقيادية تمنحه، وفق الصورة التي يحاول ترسيخها، القدرة على المزج بين الاعتبارات العسكرية والحسابات السياسية.
ومن أبرز السمات التي تمنح الحزب مساحة تمايز إضافية عن بعض مكونات اليمين الديني، المرونة التي يبديها تجاه ملف تجنيد الحريديم، فالحزب لا يطرح موقفًا رافضًا لدمج اليهود الحريديم في الجيش الإسرائيلي، بل يميل إلى توسيع دائرة الخدمة العسكرية وتقاسم أعبائها على نطاق أوسع داخل المجتمع.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الخلفيات المرتبطة ببعض الشخصيات المدرجة في قائمته، وفي مقدمتها لالي درعي وأفيف عزرا، اللذان ارتبط نشاطهما العام بقضايا الخدمة العسكرية وحقوق جنود الاحتياط وتوسيع قاعدة المشاركة في تحمل العبء الأمني، بما يساعد في رسم صورة مختلفة للحزب، وتمنحه قدرة على مخاطبة شرائح يمينية لا تتطابق بالضرورة مع المواقف التقليدية للأحزاب الحريدية، كما تعكس رغبته في تقديم نفسه كقوة قومية أكثر شمولًا وأقل ارتهانًا للحسابات القطاعية الضيقة.
ومن هنا، يبدو الحزب محاولة لصياغة نموذج سياسي يتلاءم مع المرحلة التي أعقبت السابع من أكتوبر، مستفيدًا من التحول الذي أحدثه “طوفان الأقصى” في العقلية الإسرائيلية، ومن حالة التراجع في الثقة بالمؤسستين السياسية والأمنية، ليقدّم نفسه باعتباره بديلًا يمينيًا جديدًا قادرًا على الجمع بين العقيدة القومية، والخبرة العسكرية، وخطاب الحسم الأمني في إطار سياسي واحد.
مواقفه من القضية الفلسطينية؟
يتبنى فينتر وحزبه موقفًا متشددًا وخطابًا سياسيًا صريحًا تجاه القضية الفلسطينية بصفة عامة، يقوم على إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية ورفض التسويات القائمة على مبدأ الأرض مقابل الدولة، داعيًا إلى التخلي عما أسماه سياسة “الاحتواء” واستبدالها بعقيدة تقوم على المبادرة والهجوم والحسم، منوهًا بأن الطرف الذي يبدأ حربًا ضد إسرائيل ينبغي أن يدفع أيضًا «ثمنًا إقليميًا»، وأن حماية الجنود الإسرائيليين يجب أن تكون أولوية قصوى.
وفيما يتعلق بقطاع غزة فيتبنى خطابًا عنصريًا بامتياز، حيث يطرح فكرة تهجير الفلسطينيين من القطاع باعتبارها، من وجهة نظره، جزءًا من الرد على هجمات السابع من أكتوبر، موسعًا دائرة المسؤولية لتشمل من شارك أو أيّد أو حتى التزم الصمت إزاء أي عمل يستهدف إسرائيل.
ويمتد هذا التشدد إلى رفضه القاطع لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يضع الحزب بوضوح داخل الجناح القومي الصقري من اليمين الإسرائيلي في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ويجعله أقرب إلى التيارات التي ترى أن أي تسوية سياسية تقوم على الانسحاب أو الاعتراف بالسيادة الفلسطينية تمثل تهديدًا للمشروع القومي الإسرائيلي.
أما في ما يتعلق بالضفة الغربية، فيتبنى الحزب موقفًا داعمًا للاستيطان وتوسيعه، وينحاز إلى سياسات ترسيخ الوجود الإسرائيلي وفرض وقائع جديدة على الأرض، ويعزز هذا التوجه وجود شخصيات في قائمته ترتبط بشكل مباشر بمشروع الاستيطان، من بينها دافيدي بن تسيون وإران بن آري، بما يعكس أن دعم الاستيطان ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل أحد المكونات البنيوية في توجهات الحزب ورؤيته للصراع ومستقبل الأراضي الفلسطينية.
ماذا عن حظوظه السياسية؟
تشير القراءة الأولية لحزب “عمخا يسرائيل” إلى امتلاكه عددًا من عناصر القوة التي قد تمكّنه من تقديم نفسه كخيار جدي أمام الشارع الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة، فالحزب يجمع بين خطاب يميني واضح، وخلفية عسكرية لقيادته تتناسب مع المزاج الإسرائيلي في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، وقائمة تضم شخصيات من تيارات وخلفيات سياسية واجتماعية متعددة، إلى جانب قدرته المحتملة على استقطاب شرائح من الناخبين الذين فقدوا الثقة في الأحزاب الدينية والقومية التقليدية، أو لا يرون فيها التأهيل الكافي لإدارة المرحلة المقبلة.
ورغم أنه لا يزال من المبكر تحديد الوزن الانتخابي الحقيقي للحزب أو حظوظه النهائية، فإن استطلاعات الرأي ترسم صورة أولية بشأن المساحة التي يمكن أن يشغلها، فقد تراوحت تقديرات بعض الاستطلاعات بين ستة وثمانية مقاعد، بينما ذهب استطلاع للقناة 12 أجرته مؤسسة “ميدجام” إلى احتمال حصول الحزب على نحو أربعة مقاعد، بالتوازي مع تراجع حزب الصهيونية الدينية بزعامة سموتريتش إلى ما دون نسبة الحسم، بما يعني، وفق هذا السيناريو، أن صعود «عمخا يسرائيل» قد يأتي جزئيًا على حسابه.
وبحسب نتائج الاستطلاع ذاته، يحصل حزب غادي آيزنكوت على 24 مقعدًا، والليكود على 21، وتحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد على 16، والديمقراطيون على 11، و”إسرائيل بيتنا” على تسعة مقاعد، فيما يتراجع المعسكر المؤيد لبنيامين نتنياهو إلى نحو 49 مقعدًا فقط.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة سياسية لافتة؛ فالحزب الجديد قد يتحول، من جهة، إلى منافس مباشر وشرس لحزب سموتريتش داخل القاعدة القومية اليمينية، لكنه قد يشكل، من جهة أخرى، صداعا ومصدر إزعاج لليكود إذا أدى صعوده إلى مزيد من تفتيت أصوات معسكر اليمين وأربك حسابات تشكيل الائتلاف، وفي حال جاءت نتائج الانتخابات متقاربة ولم يتمكن أي معسكر من حسم الأغلبية البرلمانية بسهولة، فقد يجد «عمخا يسرائيل» نفسه في موقع يتجاوز حجمه العددي، ليتحول إلى “الحصان الأسود” القادر على ترجيح كفة أحد المعسكرات، أو فرض شروطه في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.
تحديات وعراقيل
لكن في المقابل، يواجه الحزب عددًا من التحديات التي قد تعرقل مساره وتحد من قدرته على ترجمة الزخم الأولي إلى حضور انتخابي مستقر، في مقدمتها غياب برنامج سياسي واقتصادي وأمني متكامل يمكن من خلاله تقييم رؤيته بصورة أكثر دقة، وهو ما يجعل الحزب، في مرحلته الحالية، معتمدًا إلى حد كبير على شخصية مؤسسه وزعيمه أكثر من اعتماده على بنية مؤسسية أو مشروع سياسي مكتمل الأركان.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف المحتملة؛ إذ إن الرهان على الجاذبية الشخصية والخلفية العسكرية وحدهما قد لا يكون كافيًا في معركة انتخابية شديدة التنافس، خاصة في ظل وجود شخصيات تتمتع بثقل سياسي وعسكري واسع داخل إسرائيل، مثل غادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت، وبنيامين نتنياهو، لكل منهم قاعدة انتخابية وخبرة سياسية وقدرة تنظيمية يصعب تجاهلها.
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي أمام «عمخا يسرائيل» لن يكون فقط في قدرته على استثمار صورة فينتر كقائد عسكري ذي خطاب حاسم، وإنما في مدى نجاحه في الانتقال من حزب قائم على شخص المؤسس إلى كيان سياسي مؤسسي يمتلك برنامجًا واضحًا، وقاعدة تنظيمية، ورؤية شاملة لإدارة الدولة، فدون ذلك، قد يتحول الزخم الحالي إلى موجة مؤقتة يصعب الحفاظ عليها مع اقتراب موعد الانتخابات واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى.
في المحصلة، لا تتوقف دلالة الحزب عند حجمه الانتخابي المحتمل، ولا تأثيره في المعادلة السياسية، فهذا أمر سابق لأوانه، وإنما تمتد إلى ما يكشفه من اتجاه عام نحو مزيد من التشدد داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، وهو اتجاه مرشح لأن تكون له انعكاسات مباشرة على الفلسطينيين، ليس في قطاع غزة وحده، وإنما في الضفة الغربية والقدس وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبهذا المعنى، فإن «عمخا يسرائيل» قد لا يكون مجرد حزب جديد، بقدر ما يمكن قراءته كأحد تعبيرات المرحلة السياسية الجديدة في إسرائيل؛ مرحلة يغلب عليها التصلب الأمني، وتراجع فرص التسوية، واتساع نفوذ الخطاب القومي المتشدد.
(نون بوست)



