قضايا وتحليلات

من مقترح اقتصادي إلى قضية سيادة.. لماذا أثار اسم قناة السويس كل هذا الغضب؟

لا يكاد يعلو صوت في الشارع المصري اليوم على الجدل المتصاعد بشأن قناة السويس، وما أثير حول احتمالات بيعها أو نقل ملكيتها أو المساس بوضعها السيادي، في أعقاب الطرح الذي قدّمه الخبير الاقتصادي حسن هيكل، عضو اللجنة الاستشارية للاقتصاد الكلي التابعة لرئيس مجلس الوزراء، ضمن ما وصفه بـ”المقايضة الكبرى” لمعالجة أزمة الدين العام المحلي.

ورغم أن هيكل لم يطرح بصورة مباشرة فكرة بيع قناة السويس أو نقل سيادتها، فإن إدراج القناة ضمن الأصول التي تناولها مقترحه كان كافيًا لإشعال موجة واسعة من الجدل بين المصريين، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام، وسط تساؤلات ومخاوف بشأن حدود هذا الطرح وما إذا كان يمكن أن يفتح الباب أمام أي تغيير في الوضع القانوني أو السيادي للقناة.

ودفع هذا الاتساع غير المسبوق في دائرة النقاش حول هذه المسألة الحكومة المصرية إلى التدخل ببيان رسمي مطول لتوضيح موقفها والرد على ما أثير، بعدما تحولت تدوينة هيكل من مقترح اقتصادي إلى قضية ذات أبعاد سياسية وسيادية شغلت قطاعات واسعة من الرأي العام.. فما حقيقة الحديث عن بيع قناة السويس؟ وهل حمل مقترح هيكل بالفعل أي دعوة للتصرف في القناة أو نقل سيادتها، أم أن الجدل تجاوز مضمون ما طرحه عضو اللجنة الاستشارية لرئيس الحكومة المصرية؟

وبعيدًا عن تفاصيل الطرح والجدل الذي أثاره، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أي سلطة في مصر أن تبيع قناة السويس فعليًا أو تنقل ملكيتها إلى شركة خاصة أو دولة أجنبية؟

لم يكن حديث هيكل عن إدخال قناة السويس ضمن مقايضة تستهدف معالجة أزمة الدين المحلي وليد اللحظة، بل تعود بدايات هذا الطرح إلى كانون الثاني/يناير الماضي، عندما قدّم للمرة الأولى رؤيته التي أطلق عليها اسم “المقايضة الكبرى”، باعتبارها مقترحًا لإعادة هيكلة جانب من الدين العام المحلي.

وقامت الفكرة، وفق تصور هيكل، على تقييم مجموعة من الأصول الكبرى المملوكة للدولة، ثم نقلها إلى البنك المركزي المصري، في مقابل نقل جزء من مديونية وزارة المالية إليه، بما يؤدي -وفق رؤيته- إلى تخفيف عبء الدين المحلي وإعادة ترتيب العلاقة المالية بين مؤسسات الدولة.

وفي ذلك الوقت، استخدم هيكل هيئة قناة السويس تحديدًا كنموذج لتوضيح فكرته، متحدثًا عن تقييم افتراضي قد تصل قيمته إلى نحو 200 مليار دولار، وعن إمكانية إجراء مقايضة تشمل ما لا يقل عن خمسة تريليونات جنيه من الدين المحلي.

وأثار الطرح آنذاك موجة من الجدل والتساؤلات بشأن طبيعة الأصول التي يمكن إدخالها في مثل هذه المقايضة، وحدود التعامل مع أصول ذات طبيعة استراتيجية وسيادية مثل قناة السويس، قبل أن يخفت النقاش تدريجيًا ويغلق الملف مؤقتًا، ليعود مجددًا إلى واجهة المشهد مع التطورات الأخيرة.

يبرز هنا السؤال الأهم: لماذا فجّرت تدوينة هيكل كل هذا الجدل اليوم، رغم أن الفكرة التي طرحها ليست جديدة في أصلها؟ الإجابة ترتبط بما جرى مؤخرًا في ملف ديون الهيئة الوطنية للإعلام “ماسبيرو”، بعدما تم التوصل إلى تسوية تقضي بنقل عدد من الأصول غير المستغلة التابعة للهيئة إلى بنك الاستثمار القومي، في مقابل تسوية مديونيات تجاوزت 88 مليار جنيه.

ومن هنا أعاد هيكل طرح فكرته القديمة بصيغة أكثر مباشرة، متسائلًا عن إمكانية تعميم نموذج تسوية ماسبيرو على نطاق أوسع ليشمل أصولًا أخرى مملوكة للدولة. ووصف ما جرى في ماسبيرو بأنه “المقايضة الصغرى”، قبل أن يدعو إلى تنفيذ ما سماه “المقايضة الكبرى” على مستوى الدولة بأكملها.

وبحسب طرحه، يمكن لوزارة المالية نقل ملكيات وأصول إلى البنك المركزي، من بينها حصص في البنوك العامة وشركات الكهرباء والتأمين وبعض الهيئات الاقتصادية، وصولًا إلى المثال الأكثر إثارة للجدل عندما أدرج “حتى قناة السويس” ضمن الأصول التي يمكن أن تدخل في هذه المعادلة.

وفي المقابل، تنتقل إلى البنك المركزي مديونيات تعادل قيمة تلك الأصول، بحيث لا تقوم الفكرة -وفق تصور هيكل- على طباعة أموال جديدة، وإنما على إعادة ترتيب الديون والأصول داخل مؤسسات الدولة.

لكن ذكر قناة السويس تحديدًا كان كفيلًا بإشعال النقاش، وعندما وُجه إليه سؤال مباشر عما إذا كان يقصد بيع القناة، نفى ذلك، موضحًا أن ما يقترحه هو انتقالها بين جهتين عامتين مصريتين، معتبرًا أن مثل هذا الإجراء -من وجهة نظره- لا يمس السيادة المصرية ولا يعني خصخصة القناة أو بيعها.

بعد ساعات قليلة من نشر تدوينة هيكل، تصاعدت حالة من الغضب والرفض على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد كبير من المصريين عن استهجانهم لمجرد إدخال قناة السويس ضمن مثل هذه الطروحات من الأساس.

فالقناة، في الوعي الجمعي المصري، لا تُختزل في كونها أصلًا اقتصاديًا يدر إيرادات، وإنما تمثل ممرًا مائيًا دوليًا ذا أهمية استراتيجية، ومرفقًا عامًا سياديًا، فضلًا عن ارتباطها بتاريخ شديد الحساسية في الذاكرة الوطنية، من قرار التأميم إلى حرب عام 1956، وصولًا إلى موقعها المحوري في حسابات الأمن القومي المصري.

ومن هنا، رأى منتقدو طرح هيكل أن إدخال قناة السويس ضمن ميزانية البنك المركزي أو التعامل معها في إطار مقايضة للديون قد ينقلها، ولو من الناحية المحاسبية، من خانة المرفق السيادي إلى خانة الأصل المالي القابل للتقييم والمقابلة بالتزامات وديون، حتى وإن ظلت العملية برمتها بين جهات مملوكة للدولة المصرية.

وكان من أبرز الأصوات التي هاجمت الفكرة علاء مبارك، نجل الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، الذي نشر تدوينة مطولة انتقد فيها الطرح بشدة، معتبرًا أن قناة السويس لا يمكن التعامل معها باعتبارها أصلًا اقتصاديًا عاديًا أو شركة يمكن إدخالها في تسويات مالية.

وقال علاء مبارك: “من الواضح أن الأفندي الخبير يجهل أهمية قناة السويس كممر عالمي وشريان حيوي ورمز للسيادة الوطنية، وأن أي اقتراح لرهنها أو مقايضتها لتسوية ديون محلية يمثل مخاطرة كبرى تمس السيادة الوطنية والأمن القومي المصري”.

وأضاف: “من الواضح أيضًا أنه يجهل أن قناة السويس ليست مجرد أصل عادي يتم التعامل معه كقطعة أرض أو شركة من الشركات من أجل تصفير دين محلي، فقيمة هذا الممر الحيوي تتجاوز أي ديون قائمة، ولا يجوز إدخال قناة السويس في أي مقايضة أو رهن، أو المساس بملكيتها، أو ربطها بملف الديون، حتى لو كان الطرف الآخر جهة محلية”

وهكذا انتقل الجدل سريعًا من مناقشة مقترح اقتصادي بشأن إعادة هيكلة الدين المحلي إلى نقاش أوسع يتعلق بالسيادة والأمن القومي وحدود التعامل مع الأصول الاستراتيجية للدولة، وهو ما حول تدوينة عادية إلى قضية رأي عام شعبي.

دفع اتساع الجدل الحكومة المصرية إلى التدخل ببيان رسمي، أكدت فيه أن الطرح المتعلق بنقل بعض الأصول المملوكة للدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي مقابل تسوية جانب من الدين المحلي، لا يعدو كونه رؤية شخصية لصاحبه، ولا يمثل بأي شكل توجهًا أو مقترحًا رسميًا تتبناه الحكومة، مشددة على ضرورة الفصل بين الاجتهادات الفردية وبين السياسات والمواقف التي تعلنها الدولة عبر قنواتها الرسمية.

وأوضح مجلس الوزراء أن أفكار مقايضة الأصول العامة بالمديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة والتقييم من الجهات المختصة، لكنها انتهت إلى عدم ملاءمة هذا التصور وعدم إدراجه ضمن آليات إدارة الدين العام، لاعتبارات اقتصادية ومالية ومؤسسية، وفي مقدمتها أن نقل الأصول والديون بين جهات الدولة لا يخفض الالتزامات الفعلية على مستوى الدولة ككل، وأن معالجة الدين تتطلب سياسة متكاملة تراعي تكلفة خدمته والسيولة وكفاءة إدارة الأصول العامة.

وشددت الحكومة بصورة قاطعة على أن قناة السويس ليست مطروحة للمقايضة أو الرهن أو نقل الملكية مقابل أي مديونيات، مؤكدة أنها مرفق عام استراتيجي يرتبط مباشرة بالسيادة المصرية والأمن القومي، إلى جانب دورها المحوري اقتصاديًا ودوليًا، كما أوضحت أن تسوية ديون الهيئة الوطنية للإعلام مع بنك الاستثمار القومي حالة مالية محددة لا تصلح نموذجًا عامًا، مؤكدة أن خفض الدين سيستمر عبر تحسين المالية العامة وتعظيم موارد الدولة ورفع كفاءة الأصول والإنفاق.

وبعيدًا عن تفاصيل الطرح والجدل الذي أثاره، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أي سلطة في مصر أن تبيع قناة السويس فعليًا أو تنقل ملكيتها إلى شركة خاصة أو دولة أجنبية؟ وفقًا للإطار الدستوري والقانوني القائم، فإن هذا السيناريو يصطدم بقيود واضحة تجعل التصرف في القناة باعتبارها أصلًا عاديًا أمرًا غير ممكن.

فالمادة (43) من الدستور المصري تلزم الدولة بحماية قناة السويس والحفاظ عليها “بصفتها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها”، بما يعني أن استمرار ملكية الدولة للممر الملاحي ليس مجرد توجه سياسي قابل للتغيير بقرار حكومي، وإنما التزام دستوري.

كما تنص المادة (87) من القانون المدني على أن الأموال المخصصة للمنفعة العامة تعد أموالًا عامة لا يجوز التصرف فيها أو الحجز عليها أو تملكها بالتقادم، وهو ما يضع قناة السويس في وضع قانوني مختلف عن الأصول التجارية أو العقارية التي يمكن بيعها أو نقل ملكيتها بصورة اعتيادية.

ويعزز ذلك قانون هيئة قناة السويس رقم 30 لسنة 1975، الذي يعتبر الهيئة هيئة عامة مستقلة ذات شخصية اعتبارية، تتولى دون غيرها إدارة مرفق القناة واستغلاله وصيانته وتطويره، ويضاف إلى ذلك نص المادة (151) من الدستور، التي تحظر إبرام أي معاهدة يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة، بما يجعل أي تصور يتضمن نقل السيادة أو الملكية إلى دولة أخرى محل حظر دستوري صريح.

ينطلق القلق الذي أثارته مثل هذه الأطروحات في الشارع المصري من سياق أوسع من المخاوف المرتبطة بطريقة إدارة أصول الدولة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع توسع الحكومة في برامج الطروحات وجذب الاستثمارات الخاصة والأجنبية إلى عدد من الأصول والقطاعات، في محاولة لتوفير موارد مالية وتخفيف الضغوط على الموازنة والاقتصاد.

ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري ضغوطًا غير مسبوقة، مع ارتفاع مستويات الدين الداخلي والخارجي وتزايد أعباء خدمته بشكل لم يعرفه المصريون منذ عقود، ما دفع الحكومة إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة، لسد هذا العجز، كان من بينها إعادة هيكلة ملكية بعض الأصول وطرح حصص منها للاستثمار الخاص.

غير أن هذه السياسات فتحت في المقابل نقاشًا واسعًا حول حدود التصرف في الأصول العامة، والفارق بين الاستثمار فيها وبين التخلي عن السيطرة عليها، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات تتصل بالسيادة واستقلال القرار الاقتصادي.

ومنذ اتساع نطاق هذه السياسة خلال السنوات الماضية، بات أي حديث عن طرح أصل استراتيجي أو مورد رئيسي للدولة للاستثمار يثير حساسية خاصة لدى قطاعات من المصريين، خصوصًا مع دخول رؤوس أموال أجنبية إلى بعض الملفات الاقتصادية المهمة.

ولذلك فإن مجرد إدراج اسم قناة السويس في أي تصور مالي أو استثماري كان كافيًا لإعادة إحياء تلك المخاوف، وتفجير براكين الغضب لدى المصريين، حتى وإن كان الطرح المطروح لا يتحدث صراحة عن بيع القناة أو نقل سيادتها.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى