أوراق سياسات

الفراغ الأمني الكبير: كيف يعيد سقوط باب المندب اختبار “عقيدة الحماية” الأمريكية وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط؟

تغيرت قواعد اللعبة في الشرق الأوسط. ففي الحادي عشر من سبتمبر 2026، أعلن الحوثيون استكمال سيطرتهم على مضيق باب المندب، بعد أن بسطوا نفوذهم على جزيرة ميون وجزيرة زقر وجزر حنيش الكبرى والصغرى، ووصلوا إلى مدينة ذباب المحاذية مباشرة للمضيق. وفي اليوم نفسه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من دبلن أن الحوثيين طلبوا من الولايات المتحدة عدم التدخل في اليمن، قائلاً: “اتصل بنا الحوثيون، وهم لا يريدون قتالنا”. وبعد ساعات، كشفت تقارير تطالعنا أن السعودية طلبت مساعدة عسكرية أمريكية، لكن واشنطن أبلغت الرياض أنها لا تعتزم اتخاذ إجراء عسكري مباشر. هذا التزامن لم يكن مصادفة، بل كان إعلاناً عن تحول بنيوي في النظام الإقليمي: فاعل أقل من مستوى الدولة يسيطر على ممر مائي دولي، وقوة عظمى ترفض التدخل، ودولة إقليمية كبرى تجد نفسها أمام فراغ أمني غير مسبوق.

وهنا أطرح تساؤلات مركزية هامة : هل يمكن لدولة إقليمية كبرى أن تدير أمنها القومي دون مظلة أمنية خارجية؟ وهل يمكن لتحالف دفاعي جديد، كاتفاقية مكة، أن يشكل بديلاً فعالاً عن المظلة الأمريكية؟ وما هي حدود قدرة الفواعل من غير الدول على تغيير معادلات القوة الإقليمية؟ وكيف يمكن تفسير تحول السياسة الأمريكية من الحماية الوجودية إلى الدعم الاستخباراتي فقط في ضوء تغير القيادة السياسية؟ وهل يؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط؟ وهذه الأسئلة ليست منفصلة، بل تشكل نسيجاً واحداً لتفسير لحظة التحول الراهنة.

إن ما حدث في باب المندب ليس مجرد تطور عسكري، بل هو اختبار وجودي لعقيدة أمنية ظلت قائمة لعقود. فمنذ اتفاق الرباعية عام 1945 بين الملك عبد العزيز والرئيس فرانكلين روزفلت، ظلت السعودية تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية كضمانة وجودية. لكن هذا الاعتماد، الذي تحول إلى عقيدة أمنية راسخة، يجد نفسه اليوم أمام تحول بنيوي: الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لتقديم الحماية الوجودية، بل تكتفي بـالدعم الاستخباراتي. وهذا التحول، الذي قد يبدو تكتيكياً، هو في جوهره تحول استراتيجي في موقع السعودية في النظام الإقليمي، وتحول بنيوي في طبيعة التحالفات في الشرق الأوسط.

ورؤيتي لهذه اللحظة تقوم على أن الفاعل الذي يهدد السعودية ليس دولة، بل كيان مسلح. والحوثيون، الذين ظلوا قوة محلية لسنوات، أصبحوا اليوم قادرين على إغلاق مضيق دولي، ورفع أسعار الطاقة العالمية، وتغيير مسارات التجارة الدولية، دون أن تمتلك أي دولة القدرة على ردعهم بشكل حاسم. وهذا لا يعكس “عجزاً” من جانب القوى الكبرى، بل يعكس “مخططاً مقصوداً” تتبعه الولايات المتحدة وإسرائيل معاً. فواشنطن، التي تدرك تماماً أن الحوثيين ليسوا سوى أداة إيرانية في لعبة إقليمية أوسع، تدرك أيضاً أن استمرارهم في السيطرة على باب المندب يخدم أهدافاً استراتيجية محددة: استنزاف السعودية، وإبقاء الخليج في حالة عدم يقين أمني، وإشغال مصر بمشكلاتها الجنوبية في ظل تصاعد التهديد الإثيوبي، ودفع دول المنطقة إلى البحث عن بدائل أمنية تقودها في النهاية إلى إسرائيل، بوصفها “الشريك الأمني الأكثر موثوقية” في المنطقة. ولم تدخر إسرائيل جهداً في تأكيد هذا المخطط، حيث يعلن مسؤولوها صراحة أن استراتيجيتهم تسعى إلى “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” و”حرية العمل العسكري” في البحر الأحمر. وفي هذا السياق، يصبح الدعم الإسرائيلي المعلن لمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، في 10 سبتمبر 2026، جزءاً من هذا المخطط الأوسع: فإسرائيل تريد إضعاف مصر، وتطويقها من الجنوب، وتقويض دورها التاريخي كحامية لأمن البحر الأحمر، عبر دعم قوة صاعدة تتنافس معها على النفوذ في الممر المائي الحيوي.

وهنا يبرز البعد الأعمق لهذه الأزمة، وهو البعد المرتبط بأطروحتي حول أثر تغير القيادة السياسية الأمريكية على عملية صنع السياسة الخارجية الأمريكية منذ عام 2017. فقد انطلقت هذه الأطروحة من إشكالية مركزية: هل السياسة الخارجية الأمريكية سياسة دولة ثابتة تستمد استمراريتها من المؤسسات البيروقراطية والوثائق الاستراتيجية، أم هي سياسة قيادة متغيرة تتشكل حسب شخصية الرئيس وتوجهاته الأيديولوجية وحساباته الانتخابية؟ وقد خلصت الأطروحة إلى أن هناك تحولاً بنيوياً في طبيعة صنع القرار الأمريكي، حيث انتقل مركز الثقل من المؤسسة البيروقراطية إلى القيادة الشخصية للرئيس، ومن الاستراتيجية الوطنية إلى الرؤية الشخصية، ومن التخطيط طويل الأمد إلى الاستجابة قصيرة الأمد. وهذا التحول ليس مجرد تغير في أسلوب الإدارة، بل هو تغير في طبيعة عقيدة الحماية الأمريكية نفسها، حيث لم تعد العقيدة “عقيدة دولة” تحكمها المصالح الاستراتيجية الثابتة، بل أصبحت “عقيدة قيادة” تتغير مع كل إدارة. وقد تجلى ذلك في السياسة الأمريكية تجاه السعودية منذ عام 2017: ففي عهد ترامب الأول (2017-2021) كانت العلاقة تقوم على التحالف الاستراتيجي والدعم غير المشروط، وفي عهد بايدن (2021-2025) تحولت نحوالضغط والمساءلة، ثم عاد ترامب في ولايته الثانية منذ 2025 ليعيد التحالف الاستراتيجي بصيغة مختلفة: دعم استخباراتي بدلاً من دعم قتالي، وتجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، والتركيز على إيران وهرمز بدلاً من اليمن.

وهذا التذبذب يكشف عن خلل بنيوي في عقيدة الحماية نفسها، ويكشف أيضاً عن فشل استراتيجية الأمن المستأجر التي اعتمدت عليها السعودية لعقود. فالسعودية، التي بنت عقيدتها الدفاعية على استئجار الأمن من قوة خارجية، بدلاً من بناء قدرات ذاتية، تجد نفسها اليوم أمام مأزق وجودي: فالقوة المؤجرة لم تعد مستعدة لتقديم الخدمة، والبدائل المتاحة لا تمتلك القدرات الكافية، والقدرات الذاتية لم تُبنَ بعد. وهذا الفشل ليس فشلاً تكتيكياً، بل هو فشل بنيوي في فلسفة الأمن نفسها، لأن الأمن المستأجر ليس أماناً حقيقياً، بل هو “ترتيب مؤقت” يمكن أن ينتهي في أي لحظة. وهذا ما حدث بالضبط: فالسعودية، التي راهنت على أن واشنطن ستتدخل لحمايتها، وجدت نفسها أمام رفض أمريكي صريح، في لحظة كانت فيها أحوج ما تكون إلى الدعم. وهنا يصبح السؤال الوجودي على السعودية أكثر إلحاحاً: كيف تبني استراتيجية أمنية مستدامة على افتراض استمرار الحماية الأمريكية في ظل سياسة أمريكية أصبحت غير قابلة للتنبؤ؟ وكيف تخرج من عقيدة الأمن المستأجر إلى عقيدة الأمن الذاتي في وقت قياسي، وفي ظل تهديدات متصاعدة؟

وفي خضم هذا التحول، تبرز إشكالية الفراغ الأمني الذي قد تتركه واشنطن إذا استمرت في سياستها الحالية. فإذا كانت الولايات المتحدة قد رفضت التدخل المباشر في اليمن، وتكتفي بالدعم الاستخباراتي، وإذا كانت اتفاقية مكة لم تخضع لاختبار عملي، وإذا كانت إيران تواصل دعمها للحوثيين عبر تهريب الأسلحة والخبراء، فإن السعودية قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: إما أن تتصرف منفردة في مواجهة الحوثيين، وإما أن تبحث عن بدائل أمنية جديدة. وقد بدأت السعودية بالفعل في استكشاف هذه البدائل، حيث وقعت اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026، وفتحت قنوات مع الصين وروسيا، ودعمت التطبيع مع إسرائيل كجزء من رؤية أمنية أوسع. لكن هذه البدائل تواجه تحديات بنيوية: فالاعتماد على الصين وروسيا في الأمن الإقليمي لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً عن الولايات المتحدة، لأن بكين وموسكو لا تمتلكان البنية التحتية العسكرية ولا الإرادة السياسية للقيام بدور “الحامي” في الشرق الأوسط. والاعتماد على باكستان قد لا يكون كافياً في مواجهة تهديدات إقليمية واسعة. والاعتماد على تركيا قد يكون فعالاً في بعض المجالات، لكنه يثير مخاوف لدى دول الخليج من طموحات أنقرة الإقليمية.

وهنا تبرز إشكالية الفعالية في اتفاقية مكة، وهي إشكالية تختلف عن إشكالية الأهمية الرمزية. فالاتفاقية، رغم أنها تمثل تحولاً نوعياً في هندسة الأمن الإقليمي، تواجه أربع عقبات بنيوية تحد من فعاليتها في الأزمات الحقيقية. العقبة الأولى هي الضبابية في آليات التنفيذ: فلم يوضح البيان المشترك أي التزامات عسكرية محددة، ولا قيادة مشتركة، ولا هيكلية للقوات، ولا آلية انتشار، ولا هيئة لصنع القرار. والعقبة الثانية هي تباين البيئات الاستراتيجية: فباكستان منشغلة بموازنة معقدة مع الهند وإيران في آن واحد، وتركيا تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي دون الانخراط في صراعات بعيدة، والسعودية تواجه تهديداً وجودياً من فاعل غير دولتي على حدودها الجنوبية. والعقبة الثالثة هي غياب التهديد المحدد: فالاتفاقية لم تحدد طبيعة التهديد الذي تستعد لمواجهته. والعقبة الرابعة هي “الاختبار العملي”: فباكستان، رغم مشاركتها في الاتفاقية، لم تشارك في رد الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها السعودية، سواء من اليمن أو من العراق.

وتتوزع الحسابات الإقليمية اليوم بين جبهتين متلازمتين. الجبهة الشرقية تتمحور حول إيران التي تسعى إلى استخدام الحوثيين كورقة ضغط لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر، ورفع تكاليف أي مواجهة مع الولايات المتحدة، وإرهاق السعودية في حرب استنزاف طويلة الأمد. أما الجبهة الجنوبية فتتمحور حول إثيوبيا التي تسعى إلى تأمين منفذ بحري على البحر الأحمر، وقد تجد في الفوضى الحالية فرصة لتعزيز موقعها. وتكشف التطورات الأخيرة عن أبعاد هذا التحرك الإثيوبي، حيث أعلنت إثيوبيا عن خطة لشراء 16 سفينة جديدة خلال السنوات الخمس المقبلة بتكلفة تتجاوز 83.1 مليار بر إثيوبي، إضافة إلى أسطولها الحالي الذي يضم نحو 10 سفن. كما افتتحت القوات المسلحة الإثيوبية في 6 سبتمبر 2026 مقراً جديداً للبحرية ومركزاً للتدريب، ضمن عملية إعادة بناء المؤسسة البحرية. وبينما تؤكد إثيوبيا أن هذه السفن مخصصة للنقل التجاري، فإنها في الوقت نفسه تسعى إلى إعادة بناء قوة بحرية تحتاج بطبيعة الحال إلى ترتيبات خارجية للوصول إلى المياه المفتوحة. وقد جاء هذا التحرك الإثيوبي مدعوماً بإعلان إسرائيلي صريح، حيث أعلن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نجوسي، في 10 سبتمبر 2026، أن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر، مضيفاً أن “تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها”. وهذا الدعم الإسرائيلي المعلن، الذي يأتي في ظل تفاعلات أزمة سد النهضة، يكشف عن بعد أعمق للصراع: فإسرائيل لا تكتفي بدعم إثيوبيا دبلوماسياً، بل تسعى إلى تطويق مصر من الجنوب، وإضعاف دورها التاريخي كحامية لأمن البحر الأحمر، عبر دعم قوة صاعدة تتنافس معها على النفوذ في الممر المائي الحيوي، في إطار مخطط أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

وبذا نصل في قرائتنا إلى المعضلة الاستراتيجية وهي: كيف ستتمكن إثيوبيا من تشغيل قوة بحرية فعالة في البحر الأحمر وهي لا تمتلك ساحلاً سيادياً؟ وهو ما يرتبط بقدرتها على الحصول على تسهيلات أو قواعد أو ترتيبات بحرية في إحدى الدول الساحلية المجاورة، وأيضاً ما يجعل ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر أكثر من مجرد قضية تجارية، ويمنحه أبعاداً عسكرية وجيوسياسية مباشرة. وهذا التحرك الإثيوبي لا يمكن فصله عن الفراغ الأمني الذي يشهده البحر الأحمر، فالفراغ الناتج عن تراجع الالتزام الأمريكي لا يقتصر على السعودية، بل يمتد إلى البحر الأحمر بأكمله. وإذا كانت الولايات المتحدة تتخلى عن دور الحامي في البحر الأحمر، فإن هذا يفتح الباب أمام قوى إقليمية صاعدة، مثل إثيوبيا، لملء هذا الفراغ. وبعبارة أخرى، فإن غياب عقيدة حماية أمريكية واضحة في البحر الأحمر هو ما يسمح لإثيوبيا بالتحرك، ولو كانت واشنطن ملتزمة بأمن البحر الأحمر كما كانت ملتزمة بأمن الخليج، لكانت تحركات إثيوبيا مقيدة بوجود أمريكي فاعل.

وهنا تبرز مصر كطرف أقدر على ملء هذا الفراغ، لأنها الدولة المشاطئة الأكبر، وتمتلك القدرات العسكرية والدبلوماسية التي تتيح لها أداء دور “الحامي الإقليمي”. وتحقيقاً لهذا الدور، تتعامل مصر مع التحركات الإثيوبية بمنطق استراتيجي متكامل، يقوم على ثلاثة ثوابت. الثابت الأول هو الثابت القانوني: فمصر تؤكد أن قواعد القانون الدولي تعطي الحق الحصري للدول المتشاطئة في وجود لها على سواحل البحر الأحمر، وأن أي ترتيبات عسكرية في البحر الأحمر ضدها ستُقابل بإجراءات تحول دون حدوثها. والثابت الثاني هو الثابت الأفريقي: فمصر تتمسك بمبادئ الاتحاد الأفريقي التي تقوم على احترام وقدسية الحدود الموروثة منذ عهد الاستعمار، وأن إثارة قضية المنفذ البحري يمكن أن تفتح باب اضطرابات كثيرة في دول القارة. والثابت الثالث هو الثابت العربي: فمصر تنسق موقفها مع الدول العربية المتشاطئة على سواحل البحر الأحمر، وتؤكد أن “المسؤولية الحصرية للدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” في حوكمة هذا الممر الملاحي وتأمينه.

إن هذه الثوابت ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لقراءة استراتيجية عميقة تبنتها القيادة المصرية منذ عام 2014. فمنذ ذلك التاريخ، أدركت مصر أن المنطقة مقبلة على تحولات بنيوية، وأن عقيدة الأمن المستأجر التي اعتمدت عليها دول المنطقة لعقود لم تعد كافية لمواجهة التهديدات الصاعدة. وقد تجلى ذلك في تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي المتكررة منذ 2022، التي تؤكد على المسؤولية الحصرية للدول المشاطئة في حوكمة البحر الأحمر، وعلى رفض أي ترتيبات أمنية تفرض من خارج المنطقة، وعلى ضرورة بناء قدرات ذاتية للتعامل مع التهديدات المتصاعدة. وهذه القراءة الاستباقية هي التي جعلت مصر، اليوم، في موقع الطرف الأقدر على ملء الفراغ الأمني في البحر الأحمر، ليس فقط بفضل قدراتها العسكرية، بل بفضل إدراكها المبكر لطبيعة التحولات القادمة، واستعدادها لها قبل وقوعها.

وفي ضوء المعطيات الراهنة، تتبلور ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل النظام الإقليمي في ظل هذا الفراغ. السيناريو الأول هو “الفراغ الأمني المُدار”: حيث تستمر الولايات المتحدة في تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي دون التدخل المباشر، وتواصل السعودية عملياتها العسكرية ضد الحوثيين دون تحقيق حسم، وتظل اتفاقية مكة إطاراً رمزياً دون فعالية عملية، وتستمر إيران في دعم الحوثيين دون مواجهة مباشرة، وتواصل إثيوبيا تحركاتها التدريجية نحو تأمين منفذ بحري دون مواجهة مباشرة مع مصر. وهذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، لأنه يتوافق مع مصالح جميع الأطراف: واشنطن تتجنب الانخراط في حرب جديدة، والسعودية تحافظ على الردع دون حسم، والحوثيون يحافظون على ورقة الضغط، وإيران تواصل الاستنزاف دون تكلفة، ومصر تدير الملف بمنطق استراتيجي متكامل.

السيناريو الثاني هو “التصعيد الإقليمي الشامل”: حيث تتصاعد الضربات المتبادلة بين السعودية والحوثيين، وتتحول اتفاقية مكة إلى تحالف عسكري فعلي، وتتدخل باكستان وتركيا بشكل مباشر، مما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة. وفي هذا السيناريو، قد تتحول إثيوبيا إلى جبهة جديدة، خاصة إذا قررت إسرائيل تعزيز دعمها العسكري لأديس أبابا، مما يضع مصر أمام اختبار وجودي في البحر الأحمر. وهذا السيناريو مكلف لجميع الأطراف، لكنه ليس مستبعداً في ظل التعقيدات الراهنة.

السيناريو الثالث هو “التسوية الإقليمية الشاملة”: حيث تنجح الوساطة الإقليمية، بمشاركة مصر وعمان وقطر، في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في اليمن، مقابل رفع الحصار عن الملاحة السعودية، ودمج الحوثيين في عملية سياسية، وضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر. وفي هذا السيناريو، قد تنجح مصر في التوصل إلى تفاهم مع إثيوبيا حول المنفذ البحري، في إطار يحفظ السيادة المصرية والأمن الإقليمي. وهذا السيناريو يتطلب تنازلات من جميع الأطراف، وتوفر إرادة سياسية حقيقية للسلام.
لكن يبدو أن “الفراغ الأمني المدار” هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، وذلك لعدة أسباب. السبب الأول هو توافق مصالح جميع الأطراف: فهذا السيناريو هو الوحيد الذي يحقق مصالح كل الأطراف في الوقت نفسه، حيث تتجنب واشنطن الانخراط في حرب جديدة، وتحافظ السعودية على الردع دون حسم، ويحافظ الحوثيون على ورقة الضغط، وتواصل إيران الاستنزاف دون تكلفة، وتدير مصر الملف بمنطق استراتيجي متكامل. والسبب الثاني هو غياب شرط الحسم: فالانتقال إلى السيناريو الثاني يتطلب قراراً سياسياً من السعودية بشن عملية عسكرية واسعة لاستعادة باب المندب، أو قراراً من الحوثيين بتصعيد هجماتهم على الملاحة الدولية بشكل غير مسبوق، وكلا القرارين يواجه عقبات كبيرة. والسبب الثالث هو غياب شرط التسوية: فالانتقال إلى السيناريو الثالث يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، وتوفر وساطة إقليمية فعالة، وتقديم تنازلات متبادلة، وهذا يبدو بعيداً في ظل استمرار التصعيد وغياب الثقة. والسبب الرابع هو استمرار المخطط المقصود: فإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تتبعان مخططاً مقصوداً لاستنزاف السعودية وتطويق مصر، فإن استمرار “الفراغ الأمني المُدار” يخدم هذا المخطط، لأنه يبقي المنطقة في حالة عدم يقين دائم. والسبب الخامس هو عامل الوقت: فالسيناريو الأول يمكن أن يستمر لشهور دون أن ينهار، لأنه لا يتطلب حلاً، بل يتطلب فقط إدارة. وهذا يعني أن المنطقة مقبلة على فترة من “الاستنزاف المدار” حيث لا حرب شاملة ولا سلام شامل، بل استمرار للتوتر تحت سقف معين.

إن هذه التطورات المتلاحقة ليست أزمة عابرة، بل هي إعلان عن نهاية حقبة وبداية أخرى. فالنظام الإقليمي الذي قام على الأمن المستأجر والحماية الخارجية لم يعد قادراً على الصمود، والنظام الجديد لم تتضح ملامحه بعد. وفي هذا الفراغ، تبرز مصر كأحد القلاع القليلة القادرة على إنتاج التوازن، ليس بوصفها حامياً بديلاً، بل بوصفها “صانع توازن” يمتلك رؤية استراتيجية، وقدرات متعددة، وشرعية تاريخية. وهذا الدور ليس ترفاً، بل هو ضرورة، لأن أي نظام إقليمي مستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم على تجاهل مصر، أو تجاهل مصالحها، أو تجاهل دورها. وحين تبدأ خرائط القوة بالاهتزاز، تستعيد الدول المركزية معناها العميق، لا بمعيار القدرة العسكرية المجردة وحدها، بل بمعيار قدرتها على إنتاج التوازن ومنح المشهد الإقليمي شكلاً قابلاً للحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى