
من “عودوا إلى بلادكم” إلى الكونغرس.. هكذا فرض الصوماليون حضورهم في السياسة الأمريكية
د. عماد عنان
في انتخابات الكونغرس الأمريكي عام 2018، استطاعت الأمريكية من أصول صومالية، إلهان عمر، أن تسجل حضورًا تاريخيًا بفوزها بمقعد في مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا، لتصبح أول لاجئة أفريقية تصل إلى الكونغرس، وأول امرأة من أصول أفريقية تُنتخب لتمثيل ولايتها في المجلس، في تحول لافت أثار آنذاك نقاشات واسعة بشأن دلالاته السياسية والاجتماعية، وانعكاساته على مستقبل تمثيل الأقليات والمهاجرين في الحياة السياسية الأمريكية.
غير أن هذا الصعود لم يمر دون إثارة الجدل، ففي 14 يوليو/تموز 2019، شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومًا على إلهان عمر وثلاث من زميلاتها الديمقراطيات من النساء ذوات البشرة الملونة في الكونغرس، داعيًا إياهن إلى “العودة إلى البلدان التي جئن منها”، في تصريحات أثارت موجة واسعة من الانتقادات، واعتبرها منتقدوه تعبيرًا عن خطاب إقصائي يستهدف المهاجرين والأقليات، رغم أن ثلاثًا من النائبات الأربع وُلدن في الولايات المتحدة.
وبعد نحو ثمانية أعوام على انتخاب إلهان عمر لأول مرة، وسبعة أعوام على تصريحات ترامب، تعود المفارقة السياسية إلى الواجهة مع انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، فبجانب مواصلة عمر حضورها واستمرارها في المشهد السياسي، نجح 9 أمريكيين آخرين من أصول صومالية في الفوز بمناصب تشريعية، معظمها على مستوى المجالس التشريعية للولايات، في مشهد يعكس اتساع الحضور السياسي لهذه الجالية وتنامي قدرتها على المنافسة داخل المؤسسات المنتخبة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة وحدها، إذ استطاعت الجاليات الصومالية، رغم حداثة استقرار قطاعات واسعة منها في بلدان المهجر، أن تحقق اختراقات ملحوظة في الحياة السياسية بعدد من الدول الغربية، وفي مقدمتها السويد والنرويج وكندا، عبر الوصول إلى مواقع تمثيلية ومناصب عامة، بما يعكس تطور تجربتها في الاندماج السياسي والانتقال من موقع الجالية المهاجرة إلى موقع المشاركة في صناعة القرار، بل ومنافسة أبناء المجتمعات المضيفة على مواقع النفوذ والتمثيل.
وتبرز التجربة الصومالية في أمريكا تحديدًا بوصفها واحدة من أكثر هذه التجارب إثارة للاهتمام، ليس فقط بالنظر إلى الثقل السياسي الأمريكي على الساحة الدولية، وإنما أيضًا لحجم التحول الذي شهدته الجالية الصومالية، من جماعة مهاجرة ارتبط حضورها الأول بتداعيات الحروب واللجوء، إلى مكوّن اجتماعي وسياسي بات قادرًا على الدفع بمرشحين إلى المؤسسات التشريعية والمنافسة في الاستحقاقات الانتخابية، ليبقى السؤال الأهم: كيف نجح الصوماليون في ذلك؟ ولماذا؟
خارطة الصوماليين في أمريكا.. سياق للفهم
لفهم الحضور السياسي المتنامي للجالية الصومالية في الولايات المتحدة، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية لوجودها على الأراضي الأمريكية، واستقراء خريطتها الديموغرافية وما تحمله من دلالات اجتماعية وانتخابية، فعلى الرغم من أن بدايات الهجرة الصومالية إلى أمريكا تعود إلى عقود سبقت اندلاع الحرب الأهلية، فإن التحول الأبرز جاء مطلع تسعينيات القرن الماضي، عقب سقوط نظام الرئيس محمد سياد بري عام 1991، وما تلاه من صراعات دامية دفعت مئات الآلاف إلى مغادرة بلادهم بحثًا عن الأمن والاستقرار، لتشكل الولايات المتحدة إحدى الوجهات الرئيسية لموجات اللجوء والهجرة الصومالية.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، شهدت الجالية نموًا ديموغرافيًا لافتًا، حيث ارتفع عددها من نحو 2500 شخص إلى قرابة 300 ألف، وتصبح إحدى أبرز الجاليات المنحدرة من منطقة القرن الأفريقي في أمريكا، ولم يقتصر هذا التحول على التوسع العددي، بل صاحبه انتقال تدريجي من مرحلة اللجوء والبحث عن موطئ قدم داخل المجتمع الأمريكي إلى بناء شبكة متنامية من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والتعليمية، بالتوازي مع صعود أجيال جديدة وُلدت ونشأت في الولايات المتحدة، ما أسهم في ترسيخ حضور الجالية وتعزيز قدرتها على الانتقال من الاندماج المجتمعي إلى المشاركة السياسية والمنافسة الانتخابية.
وتتصدر ولاية مينيسوتا خريطة الانتشار الصومالي في أمريكا، باعتبارها المعقل السكاني والاجتماعي الأبرز للجالية، ولا سيما في مدينتي مينيابوليس وسانت بول، حيث تحولت أحياء مثل سيدار ريفرسايد إلى مراكز حيوية للنشاط التجاري والثقافي والتنظيم المجتمعي، ويرجع ذلك إلى تضافر عدة عوامل، في مقدمتها برامج إعادة توطين اللاجئين، وفرص العمل، وشبكات التكافل العائلي والاجتماعي التي شجعت على استقرار موجات متعاقبة من المهاجرين في الولاية، وقد انعكست هذه الكثافة السكانية على الوزن السياسي والانتخابي للجالية، وأسهمت في توفير قاعدة تنظيمية وجماهيرية لصعود مرشحين من أصول صومالية، وهو ما قد يساعد في تفسير فوز ستة من أصل عشرة مرشحين صوماليين بمناصب تشريعية في الانتخابات الأخيرة.
صُنّاع الحضور الصومالي في السياسة الأمريكية
تجدر الإشارة بدايةً إلى أن الأسماء العشرة الواردة في قائمة الفائزين من أصول صومالية في الانتخابات الأمريكية، سواء على مستوى الكونغرس أو المجالس التشريعية للولايات، تنتمي إلى الحزب الديمقراطي وتياراته المختلفة، وفي مقدمتها حزب الديمقراطيين والمزارعين والعمال في مينيسوتا (DFL)، وهو الفرع المحلي للحزب الديمقراطي في الولاية، وهو الانتماء الذي يعكس طبيعة الحضور السياسي للجالية الصومالية، الذي ارتبط في جانب منه بالعمل المجتمعي والقضايا المعيشية ومصالح الطبقات العاملة والمتوسطة، فضلًا عن حقوق المهاجرين والأقليات، وإن تفاوتت التوجهات الفكرية والأولويات السياسية بين هذه الشخصيات.
إلهان عمر.. عضو مجلس النواب الأمريكي عن الدائرة الخامسة في ولاية مينيسوتا منذ يناير/كانون الثاني 2019، وتُعد الشخصية الأبرز في المشهد السياسي الأمريكي من أصول صومالية، تنتمي إلى الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، وهي من الأعضاء البارزين في التجمع التقدمي بالكونغرس، وتتبنى أجندة سياسية تركز على توسيع نطاق الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، والدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين، والحد من التفاوت الاقتصادي، إلى جانب دعم سياسات تقدمية في التعليم والإسكان والضرائب، كما تُعرف بمواقفها الناقدة لبعض توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما التدخلات العسكرية والدعم الأمريكي لإسرائيل.
عمر فات.. عضو مجلس شيوخ ولاية مينيسوتا، انتُخب لأول مرة عام 2020، ويُحسب على الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، مع تقارب سياسي مع حركة الاشتراكيين الديمقراطيين، ويُعد من الوجوه البارزة في الجيل الجديد من السياسيين الأمريكيين ذوي الأصول الصومالية، بعدما أصبح أول أمريكي من هذه الجذور يفوز بعضوية مجلس شيوخ الولاية، وتتمحور اهتماماته حول العدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والتعليم، إلى جانب تعزيز مشاركة الشباب والمجتمعات المهاجرة في الحياة العامة، وقد عمل على بناء تحالفات سياسية واجتماعية مع النقابات العمالية والحركات التقدمية، بما يعكس توجهه نحو توسيع القاعدة الشعبية للعمل السياسي.
زينب محمد.. عضوة مجلس شيوخ مينيسوتا منذ يناير/كانون الثاني 2023، وتنتمي إلى التيار الديمقراطي التقدمي، مع اهتمام خاص بحقوق المرأة والعمال والمهاجرين، برز اسمها عقب فوزها في انتخابات عام 2022، لتصبح أول امرأة من أصول صومالية تُنتخب لعضوية مجلس شيوخ الولاية، تتبنى برنامجًا يركز على العدالة الاقتصادية، وتوفير الإسكان الميسور، وحماية الحقوق العمالية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، فضلًا عن الدفاع عن الحقوق الإنجابية للمرأة ومكافحة التمييز، في إطار توجه ديمقراطي يجمع بين الحريات الفردية وتعزيز الدور الاجتماعي للحكومة.
محمد نور.. عضو مجلس نواب ولاية مينيسوتا منذ يناير/كانون الثاني 2019، وينتمي إلى التيار الديمقراطي التقدمي، مع تركيز على السياسات الاجتماعية والتنمية المحلية، ويُعد من الشخصيات السياسية المعروفة داخل مجتمع المهاجرين الصوماليين في الولاية، بعدما انتقل من العمل الإداري والمجتمعي إلى النشاط التشريعي، وتركز أجندته على تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتوسيع فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والخدمات الأساسية، إلى جانب دعم برامج التوظيف والتدريب المهني، وتطوير المؤسسات المجتمعية التي تساعد الأسر محدودة الدخل على تحسين أوضاعها الاقتصادية والمعيشية.
إسماعيل محمد.. عضو مجلس نواب ولاية أوهايو منذ يناير/كانون الثاني 2023، وهو محامٍ ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، ويتبنى توجهات تقدمية في عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، اكتسب حضوره السياسي أهمية خاصة بعدما أصبح، إثر انتخابات عام 2022، أول أمريكي من أصول صومالية يفوز بعضوية المجلس التشريعي للولاية، وتتركز أولوياته على تطوير التعليم العام، وتوسيع فرص الإسكان الميسور، وتحسين الخدمات الصحية، ودعم العمال والأسر محدودة ومتوسطة الدخل، فضلًا عن الدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين ومناهضة التمييز، بما يعكس اتساع المشاركة السياسية للصوماليين الأمريكيين خارج ولاية مينيسوتا.
منى عبدي.. عضوة مجلس نواب ولاية مين منذ ديسمبر/كانون الأول 2022، وتنتمي إلى الحزب الديمقراطي، مع اهتمام بالقضايا المرتبطة بالتعليم والإسكان والعدالة الاجتماعية، برزت ضمن الجيل الجديد من القيادات السياسية الأمريكية ذات الجذور الصومالية، عقب فوزها بعضوية المجلس في انتخابات عام 2022، ممثلةً منطقة لويستون، التي شهدت استقرار أعداد ملحوظة من المهاجرين واللاجئين خلال العقود الماضية. وتركز اهتماماتها على تحسين جودة التعليم، وتوفير المساكن بأسعار مناسبة، ودعم فرص العمل والتنمية الاقتصادية، إلى جانب تطوير الخدمات الصحية والاجتماعية، كما تدافع عن سياسات الاندماج ومكافحة التمييز، وتولي أهمية لمعالجة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المجتمعات المحلية.
سماكب حسين.. عضو مجلس نواب مينيسوتا منذ يناير/كانون الثاني 2023، وينتمي إلى التيار الديمقراطي التقدمي في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ويُمثل أحد الوجوه السياسية الأمريكية من أصول صومالية التي انتقلت من النشاط المهني والمجتمعي إلى العمل التشريعي، بعدما فاز في انتخابات عام 2022 بمقعد عن إحدى دوائر مدينة سانت بول، وقد ارتبطت تجربته المهنية بقطاع الرعاية الصحية، وهو ما انعكس على اهتماماته السياسية المتعلقة بالصحة العامة والخدمات الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية للفئات محدودة الدخل، إلى جانب القضايا المرتبطة بالعدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص.
أنغام محمود.. عضوة مجلس نواب ولاية مينيسوتا، انتُخبت عام 2024، وتنتمي إلى الحزب الديمقراطي، مع اهتمام بملفات الصحة والخدمات الاجتماعية والعدالة الاقتصادية، وترتبط خلفيتها المهنية بمجال الصحة النفسية والخدمات المقدمة للأفراد والأسر، الأمر الذي أسهم في تشكيل أولوياتها التشريعية، ولا سيما تطوير الرعاية الصحية وتعزيز برامج الدعم المجتمعي، ويأتي صعودها السياسي في سياق اتساع تمثيل النساء من أصول صومالية داخل المؤسسات المنتخبة، وتنامي قدرة المرشحين المنحدرين من خلفيات مهاجرة على استقطاب تأييد انتخابي في دوائر تتسم بالتنوع الاجتماعي والعرقي.
عبدي ديساني.. عضو مجلس نواب مينيسوتا، انتُخب عام 2024، وينتمي إلى الحزب الديمقراطي، مع تركيز على التعليم والتنمية الاقتصادية والخدمات المجتمعية، ويمثل انتخابه أحد مظاهر الامتداد الجغرافي للحضور السياسي الصومالي خارج المراكز الحضرية الكبرى في الولاية، بعدما فاز بمقعد عن دائرة تشمل أجزاء من مدينة سانت كلاود ومحيطها، وقد أسهمت خبرته في ريادة الأعمال والعمل المجتمعي في تشكيل اهتماماته بقضايا دعم المشروعات الصغيرة، وتوسيع الفرص الاقتصادية والتعليمية، وتحسين الخدمات المحلية، ويكتسب وصوله إلى المجلس دلالة اجتماعية وسياسية في ضوء تنامي الوجود الصومالي بمدينة سانت كلاود، وما رافقه من نقاشات حول الهجرة والاندماج والتحولات الديموغرافية.
كايسي جامع.. عضو مجلس شيوخ ولاية أوريغون، وينتمي إلى الحزب الديمقراطي، ويُعد من الشخصيات البارزة في مسيرة المشاركة السياسية للصوماليين الأمريكيين خارج ولاية مينيسوتا، دخل المجلس عام 2021 بعد تعيينه في المقعد، ليصبح أول مسلم يشغل عضوية مجلس شيوخ أوريغون، قبل أن يفوز بالانتخاب عام 2022، وقد ارتبط مساره السابق بالعمل الحقوقي والمجتمعي والدفاع عن المهاجرين والأقليات، وتتركز أولوياته السياسية على العدالة الاجتماعية والإسكان الميسور والتعليم والرعاية الصحية، فيما يعكس حضوره التشريعي في أوريغون تطور قدرة الأمريكيين من أصول صومالية على بناء تحالفات انتخابية أوسع من نطاق جاليتهم، والوصول إلى مواقع التمثيل السياسي في ولايات متعددة.
جدير بالذكر أن ملامح هذا الحضور المتنامي للجالية الصومالية في المشهد السياسي الأمريكي بدأت تتبلور بصورة أكثر وضوحًا خلال انتخابات التجديد النصفي عام 2022، التي شهدت صعود عدد من المرشحين المنحدرين من أصول صومالية إلى مواقع تشريعية مختلفة، في تحول لافت عُدّ آنذاك مؤشرًا على تنامي توجه الجاليات المسلمة نحو الانخراط في العمل السياسي، ليس فقط بوصفه وسيلة للتمثيل والمشاركة في صناعة القرار، وإنما أيضًا باعتباره أداة لمواجهة خطاب الكراهية الذي تعرضت لها قطاعات من هذه الجاليات على مدار عقدين، في أعقاب هجمات سبتمبر/أيلول2001.
ما الدلالات؟
تكشف قراءة خريطة الشخصيات الأمريكية من أصول صومالية التي وصلت إلى مقاعد الكونغرس والمجالس التشريعية للولايات عن جملة من الدلالات السياسية، في مقدمتها انتماؤها جميعًا إلى الحزب الديمقراطي بفروعه المختلفة، ولا سيما حزب الديمقراطيين والمزارعين والعمال في ولاية مينيسوتا، التي تمثل أحد أبرز معاقل الحضور السياسي الصومالي في الولايات المتحدة.
غير أن هذا الالتقاء تحت المظلة الحزبية ذاتها لا يعني بالضرورة وجود كتلة متجانسة فكريًا أو أيديولوجيًا، إذ تتباين توجهات هؤلاء المشرعين بين الجناح التقدمي الداعي إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية واسعة، كما في حالتي إلهان عمر وعمر فاتح، وبين توجهات أكثر تركيزًا على تطوير الخدمات العامة والتنمية المحلية وتعزيز الحقوق المدنية، على غرار محمد نور وغيره من السياسيين المنحدرين من الجالية.
وعلى مستوى الأجندات السياسية والتشريعية، يبرز تحول نوعي في طبيعة انخراط الأمريكيين الصوماليين في الحياة العامة، بعدما تجاوزت مشاركتهم تدريجيًا القضايا التقليدية المرتبطة باللجوء والاندماج ومناهضة التمييز، لتشمل ملفات أوسع تمس المصالح اليومية للمجتمع الأمريكي بمختلف مكوناته، وفي مقدمتها الإسكان والتعليم والرعاية الصحية وحقوق العمال والسياسات الضريبية، وصولًا إلى قضايا السياسة الخارجية، مستفيدين من تراكم خبرات امتدت لعقود في بناء شبكات التنظيم الأهلي والتحالفات النقابية والحركات الحقوقية، بما أتاح لهم توسيع قواعدهم الانتخابية خارج النطاق التقليدي للجالية الصومالية.
أما على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية، فلا يزال تأثير السياسيين من أصول صومالية محدودًا نسبيًا بحكم طبيعة مواقعهم التمثيلية، التي يتركز معظمها داخل المجالس التشريعية للولايات، حيث تتصدر القضايا المحلية اختصاصاتهم وأولوياتهم، ومع ذلك، تبرز إلهان عمر بوصفها أحد أبرز الاستثناءات، نظرًا إلى عضويتها في مجلس النواب الفيدرالي وانخراطها في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية، ولا سيما قضايا الشرق الأوسط والتدخلات العسكرية الأمريكية والعلاقات مع إسرائيل.
ليس مصادفة.. لماذا الصوماليون؟
لا يمكن النظر إلى الحضور السياسي المتنامي للجالية الصومالية في أمريكا باعتباره ظاهرة عابرة أو نتاجًا للمصادفة، بل هو محصلة تضافر مجموعة من العوامل الديموغرافية والاجتماعية والسياسية التي أسهمت في تهيئة البيئة المناسبة لهذا الصعود، يأتي في مقدمتها التركز السكاني الملحوظ للصوماليين في ولاية مينيسوتا، ولا سيما في مدن مينيابوليس وسانت بول وسانت كلاود، الأمر الذي منح الجالية وزنًا انتخابيًا ملموسًا في عدد من الدوائر المحلية والتشريعية، خصوصًا تلك التي تسمح طبيعتها الديموغرافية للتجمعات السكانية المنظمة بممارسة تأثير انتخابي مؤثر، وهو ما يساعد في تفسير استحواذ الولاية على النصيب الأكبر من التمثيل السياسي الصومالي في المؤسسات المنتخبة.
ويضاف إلى ذلك عامل التنشئة الاجتماعية والسياسية للأجيال الصومالية الجديدة، إذ وصل عدد من الشخصيات التي برزت لاحقًا في الحياة العامة إلى الولايات المتحدة في سن مبكرة، ضمن موجات اللجوء والهجرة التي شهدتها تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة، وهو ما أتاح لهم الالتحاق بالمؤسسات التعليمية الأمريكية، والانخراط في سوق العمل بمختلف قطاعاته، واكتساب خبرات اجتماعية ومهنية وفهم أعمق لطبيعة النظام السياسي ومؤسساته، فضلًا عن الاحتكاك المباشر بالقضايا المعيشية والتحديات التي تواجه المجتمعات المحلية، وأسهم هذا المسار في بلورة وعي سياسي يتجاوز حدود الانتماء العرقي، ويمنح هؤلاء المرشحين قدرة أكبر على مخاطبة شرائح متنوعة من الناخبين والتعبير عن مصالحهم، خصوصًا في المدن والدوائر الانتخابية الأقل كثافة سكانية.
كما لعب البناء المؤسسي للجالية دورًا محوريًا في ترسيخ حضورها داخل المجال العام، بعدما نجحت على مدار العقود الماضية في تأسيس شبكة واسعة من المساجد والمراكز المجتمعية والمنظمات غير الربحية، التي لم يقتصر نشاطها على تقديم الخدمات الاجتماعية والدينية، بل امتد إلى دعم الاندماج المدني، وتسهيل تسجيل الناخبين، وتوفير الترجمة والمساعدات القانونية، وتنظيم المبادرات المجتمعية وحملات جمع التبرعات.
وقد أسهمت هذه البنية التنظيمية في تعزيز التواصل بين المرشحين وقواعدهم الشعبية، وتيسير المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، بما منح الجالية قدرة على الحشد والتنظيم في المناطق التي تتمتع فيها بحضور سكاني متماسك، مقارنة ببعض التجمعات المهاجرة الأكثر تشتتًا جغرافيًا.
وفي السياق ذاته، شكّل انفتاح الحزب الديمقراطي، ولا سيما جناحه المحلي في مينيسوتا (حزب الديمقراطيين والمزارعين والعمال)، على القيادات المنحدرة من الأقليات والمجتمعات المهاجرة، عاملًا إضافيًا في توسيع فرص المشاركة السياسية للصوماليين الأمريكيين، فقد وفرت الهياكل الحزبية والانتخابات التمهيدية والتحالفات المحلية مسارات مؤسسية أتاحت لعدد من هذه الشخصيات التدرج من النشاط المجتمعي إلى المنافسة على المناصب التشريعية، مستفيدة من التقاطع بين أولويات قطاعات من الجالية وبرامج التيارات الديمقراطية المعنية بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية والخدمات العامة.
في المحصلة، استطاعت الجالية الصومالية أن ترسخ حضورها في المشهد السياسي الأمريكي عبر مسار تراكمي من الاندماج المجتمعي والتنظيم السياسي والمشاركة الانتخابية، مكنها تدريجيًا من التحول إلى فاعل مؤثر في الحياة السياسية المحلية، مع استمرار فرص اتساع هذا الحضور خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من انفتاح الحزب الديمقراطي على الأقليات والمجتمعات المهاجرة، وسعيه إلى توسيع قواعده الانتخابية وتعزيز نفوذه السياسي عبر استقطاب شرائح اجتماعية متنوعة، في علاقة متبادلة أتاحت للصوماليين فرصًا أكبر للتمثيل والمشاركة في صناعة القرار، ومنحت الحزب بدورها امتدادًا شعبيًا داخل تجمعات سكانية جديدة.
(نون بوست)



