أوراق سياسات

مخيم الهول بعد الإغلاق: من احتواء الخطر إلى إدارة ما بعد المخيم — العراق نموذجاً

 لم يعد مخيم الهول، بعد إخلائه وإغلاقه في شباط/فبراير 2026 مجرد مخيم للنازحين أو ملف إنساني مؤجل بل أصبح ملفاً أمنياً واستراتيجياً عابراً للحدود انتقل من مرحلة احتواء التهديد داخل مساحة جغرافية محددة إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في إدارة الأفراد والشبكات والآثار الفكرية والاجتماعية والأمنية التي خلّفها المخيم.

 وأُعلن إخلاء المخيم بالكامل في 22 شباط/فبراير 2026. وتكتسب الحالة العراقية أهمية استثنائية لأن العراق لم يتعامل مع الهول باعتباره مشكلة سورية فقط بل اختار منذ 2021 مسار العودة المنظمة والتدقيق والتأهيل وإعادة الإدماج

وبحسب تقرير أممي صدر في 2026 أعاد العراق 4,685 أسرة، تضم 17,791 شخصاً إلى مركز الأمل ثم انتقلت 3,116 أسرة، تضم 11,438 شخصاً، إلى مناطق سكنها، إلى جانب استقبال 3,206 عراقيين كانوا محتجزين في مرافق تديرها قوات سوريا الديمقراطية. وعليه، فإن إغلاق الهول لا ينبغي أن يُقرأ عراقياً باعتباره نهاية الملف، بل باعتباره بداية مرحلة جديدة منه

التقدير الأساسي: الخطر لم ينتهِ بإغلاق المخيم وإنما تغير شكله من خطر مركّز ومراقَب جغرافياً إلى خطر موزع أقل وضوحاً يحتاج إلى منظومة وطنية للرصد والتحليل والوقاية وإعادة الاندماج. وهنا تحديداً تبرز أهمية مركز دار السلام للنصح و الإصلاح ان الهول يمثل حالة نادرة من حيث اجتماع عدة عوامل في مكان واحد: عائلات مرتبطة بداعش + أطفال وشباب + آثار تطرف فكري + هشاشة اجتماعية + فقر + عنف + غياب أفق مستقبلي + بيئة مغلقة

ومع إغلاق المخيم تفككت هذه البيئة الجغرافية لكن مخرجاتها البشرية والفكرية والاجتماعية لم تتفكك بالضرورة. وهذا يخلق انتقالاً في طبيعة التهديد: من مخيم يمكن مراقبته إلى مجتمعات وأفراد يجب فهمهم ومتابعتهم وإعادة دمجهم. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يبنى عليها التصور العراقي للمرحلة المقبلة

 السؤال المهم لماذا يمثل إغلاق الهول تحدياً للعراق؟ العراق هو أحد أكثر الأطراف ارتباطاً بملف الهول وقد أصبح نموذجاً دولياً في إعادة مواطنيه وإدماجهم. الأمم المتحدة وصفت التجربة العراقية بأنها تجربة متقدمة تجمع بين العودة والتأهيل وإعادة الإدماج والإجراءات الأمنية. لكن نجاح المرحلة الأولى لا يعني تلقائياً نجاح المرحلة الثانية

 فالمرحلة الأولى كانت: استعادة المواطن من بيئة خطرة. أما المرحلة الثانية فهي: منع البيئة الخطرة من إعادة إنتاج نفسها داخل المجتمع. وهنا تكمن صعوبة الملف، فإذا كان معيار النجاح السابق هو: كم شخصاً أُعيد؟ فإن معيار النجاح الجديد يجب أن يصبح: كم شخصاً اندمج فعلياً؟ وكم حالة خطر اكتُشفت مبكراً؟ وكم حالة تطرف جرى تفكيكها قبل تحولها إلى تهديد؟ وما مدى قدرة المجتمع على استيعاب العائدين؟ وهذا التحول في معيار النجاح مهم جداً

و هنا نرسم سيناريوهات المحتملة:_ السيناريو الأول: انتهاء الخطر بانتهاء المخيم وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً والأقل دقة. يفترض أن إغلاق الهول وإعادة العائلات إلى مناطقها سيؤديان تدريجياً إلى انتهاء المشكلة. هنا احتمال تحققه الكامل ضعيف لأن التطرف لا يعتمد على وجود المخيم فقط، وإنما على عوامل اجتماعية وفكرية واقتصادية وأسرية قابلة للاستمرار بعد العودة

 السيناريو الثاني: انتقال الخطر إلى الداخل في هذا السيناريو ينتقل بعض الخطر من البيئة المغلقة إلى المجتمع عبر: _هشاشة بعض الأسر. _ضعف الاندماج. _الوصمة الاجتماعية. _انقطاع التعليم. _الفقر والبطالة. _استمرار التأثير الفكري المتطرف. _قابلية بعض الشباب للتجنيد أو الاستقطاب. _إعادة بناء شبكات اجتماعية مغلقة. وهذا هو السيناريو الذي يستوجب أكبر قدر من الاستعداد الوقائي

 السيناريو الثالث: إعادة إنتاج داعش بصورة مختلفة وهذا هو السيناريو الأخطر استراتيجياً. فقد لا يعود التنظيم إلى النموذج السابق القائم على السيطرة المكانية، وإنما قد يسعى إلى استثمار الأفراد، والعلاقات الأسرية، والمظلومية، والفراغ الاجتماعي، والفضاء الرقمي لإعادة بناء التأثير، أي أن داعش ـ إذا حاول التعافي ـ قد ينتقل من: تنظيم يسيطر على الأرض إلى شبكة تأثير تستثمر الإنسان والمعلومة والفضاء الرقمي. ولهذا يجب ألا تكون الاستجابة العراقية عسكرية فقط. و هنا نقترح رؤية عراقية أقترح أن ينتقل العراق من ادارة ملف العائدين إلى إدارة مخاطر ما بعد الهول،  والفرق جوهري هو إدارة الملف تعني متابعة الأشخاص والإجراءات

أما إدارة المخاطر فتعني: فهم البيئة + تحليل المؤشرات + التنبؤ بالمخاطر + التدخل المبكر + قياس النتائج. وهنا يمكن أن يتحول العراق من دولة تتعامل مع آثار أزمة الهول إلى دولة تقدم نموذجاً دولياً لإدارة مرحلة ما بعد المخيمات اذن أين يأتي دور مركز دار السلام للنصح و الإصلاح؟

 يمكن أن يكون مركز دار السلام للنصح و الإصلاح أحد أهم المكونات الاستراتيجية لهذه المرحلة ليس كمؤسسة أمنية إضافية، وإنما كـ منصة وطنية للمعرفة والتحليل والإنذار المبكر والوقاية و النموذج المقترح

 البيانات ↓ مركز دار السلام للنصح و الإصلاح ↓ تحليل المخاطر ↓ مؤشرات الإنذار المبكر ↓ تقدير موقف ↓ توصيات للجهات المختصة ↓ تدخل وقائي/اجتماعي/أمني ↓ قياس الأثر وهذا يجعل المركز حلقة وصل بين المعلومة وصانع القرار

 اما وظيفة دار السلام في مرحلة ما بعد الهول :

1: بناء الصورة الوطنية للمخاطر بدلاً من أن تعمل المؤسسات كلٌ على جزء من الملف، يمكن للمركز أن يساهم في بناء صورة استراتيجية موحدة تشمل: الأمن ـ الأسرة ـ التعليم ـ الصحة النفسية ـ الاقتصاد ـ المجتمع ـ الخطاب الديني ـ الإعلام ـ الفضاء الرقمي. وهذا يسمح بفهم المشكلة باعتبارها منظومة وليس مجموعة حالات منفصلة

 2: إنشاء منظومة إنذار مبكر المطلوب ليس انتظار ظهور نشاط إرهابي. بل اكتشاف المؤشرات المبكرة التي تستوجب تدخلاً متخصصاً، مع احترام الخصوصية والقانون وعدم تحويل القرابة أو العودة من الهول بحد ذاتها إلى قرينة إدانة

3: قياس نجاح الاندماج يمكن للمركز تطوير مؤشرات وطنية لقياس: الاستقرار الأسري. انتظام الأطفال في التعليم. الحصول على الوثائق المدنية. الاستقرار الاقتصادي. العلاقة مع المجتمع المحلي. المؤشرات النفسية والاجتماعية. مؤشرات التعرض للتطرف. مستوى تقبل المجتمع للعائدين. وتؤكد دراسة حديثة لـUNIDIR أن قياس القبول المجتمعي للعائدين لا ينبغي أن يعتمد على المؤشرات الكمية وحدها، لأن الواقع الميداني للاندماج أكثر تعقيداً

 اما نقطة القوة العراقية يمتلك العراق اليوم ميزة استراتيجية لا تمتلكها كثير من الدول: لقد اكتسب خبرة عملية في سلسلة كاملة: الاستعادة → التدقيق → مركز الأمل → التأهيل → الوثائق → التعليم → الدعم النفسي → إعادة الاندماج. وتؤكد الأمم المتحدة أن مركز الأمل أصبح منذ 2021 محطة انتقالية لأكثر من 10,000 شخص، مع تقديم خدمات تتعلق بالوثائق المدنية، والصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، والتعليم، والصحة، والتمكين الاقتصادي وسبل العيش وإعادة الاتصال بالأسر والمجتمعات. إذن العراق لا يبدأ من الصفر. المطلوب الآن هو تحويل الخبرة المتراكمة إلى منظومة مؤسسية مستدامة

 وأرى أن العراق يحتاج إلى تغيير السؤال المركزي. بدلاً من أن نسأل ماذا نفعل بالعائدين من الهول؟ يجب أن نسأل كيف نمنع تكرار البيئة التي أنتجت الهول داخل العراق؟ وهنا يتحول الملف من ملف عودة إلى ملف وقاية وطنية من إعادة إنتاج التطرف. وهذا هو الدور الذي يمكن أن يؤديه دار السلام للنصح و الإصلاح

و اخيرا أوصي بتأسيس مسار وطني لما بعد الهول، تقوده الدولة وتشارك فيه المؤسسات الأمنية والمدنية والاجتماعية ويكون مركز دار السلام للنصح و الإصلاح منصة التحليل والتقييم الاستراتيجي فيه، ويقوم المسار على ستة محاور: 1. أمنياً: تدقيق قانوني وأمني مهني قائم على المخاطر وليس على التعميم. 2. اجتماعياً: منع العزلة والوصمة وتعزيز الاندماج داخل مناطق العودة. 3. تربوياً: إعطاء الأطفال أولوية خاصة في التعليم وإعادة بناء المهارات والقيم المدنية. 4. نفسياً: معالجة آثار الصدمات والعنف والتجارب القاسية. 5. فكرياً وإعلامياً: مواجهة خطاب التطرف وخطابات المظلومية والاستقطاب، مع عدم إنتاج خطاب مضاد يعزز الإقصاء. 6. استراتيجياً: تأسيس منظومة دائمة للرصد والتحليل والإنذار المبكر.

 الخلاصة إغلاق الهول أغلق المخيم، لكنه لم يغلق الملف بل يمكن القول إن الهول انتهى كجغرافيا لكنه بدأ كإرث استراتيجي. والعراق أمام فرصة تاريخية لتحويل هذا الإرث من عبء أمني إلى تجربة وطنية رائدة في إدارة مخاطر ما بعد الإرهاب. وهنا لا ينبغي أن يكون دار السلام للنصح و الإصلاح مجرد مركز يجمع المعلومات، بل عقلَ الدولة في قراءة التحولات الاجتماعية والفكرية والأمنية المرتبطة بالتطرف بحيث ينتقل العراق من: رد الفعل → إلى الاستباق المعلومة → إلى المعرفة المعالجة → إلى الوقاية إدارة الحالة → إلى إدارة المخاطر. والهدف النهائي ليس فقط منع عودة داعش وإنما منع ظهور البيئة التي يستطيع داعش أو أي تنظيم مشابه أن يعود من خلالها. و المعادلة الاستراتيجية المقترحة: إغلاق المخيم ≠ إغلاق التهديد العودة ≠ الاندماج الاندماج ≠ انتهاء الخطر أما الاستباق والتحليل والوقاية = تحصين الدولة والمجتمع. وهذه هي المساحة التي يمكن أن تجعل مركز دار السلام للنصح و الإصلاح جزءاً من البنية الوطنية العراقية للأمن الوقائي وصناعة القرار لا مجرد جهة متابعة لملف محدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى