
صراع البيت الأبيض والكونجرس.. هل ينهار الردع بالشرق الأوسط؟
د. مايسة خليل حسن – المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية
في مشهد سياسي أمريكي يشهد تحولات بنيوية غير مسبوقة، لم يعد الحديث عن تآكل الردع الأميركي مجرد نقاش أكاديمي بحت، بل أصبح واقعاً ملموساً تعكسه الأحداث المتسارعة على الأرض. فالولايات المتحدة، التي كانت تمثل منذ عقود الضامن الأمني الأوحد لحلفائها في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم في موقف بالغ التعقيد، حيث يحد الصراع المؤسسي بين الكونجرس والبيت الأبيض من قدرتها على تقديم ضمانات أمنية موثوقة، ويحول دون اتخاذ قرارات حاسمة في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة. وهذا الواقع الجديد، الذي يمكن قرائته في ضوء نظريات إعادة التموضع الحزبي والاستقطاب المؤسسي، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدور الأميركي في المنطقة، وحول قدرة الدول الإقليمية على الاعتماد على ضمانات الولايات المتحدة في عالم لم تعد فيه التحالفات ثابتة، ولم تعد فيه القوة حكراً على قطب دولي واحد.
تتجاوز الانقسامات الحزبية الراهنة في الولايات المتحدة حدود التنافس التقليدي على السلطة، لتعكس أزمة بنيوية أعمق في النظام السياسي الأميركي، وهي أزمة إعادة تموضع حزبي تتجلى ملامحها في تصدعات متزامنة على جانبي الطيف السياسي. ففي الحزب الديمقراطي، يتصاعد التوتر بين الجناح التقدمي، الذي يقوده شخصيات مثل عبد الرحمن السيد في ميشيغان، والقيادة الوسطية التقليدية، مما يعكس صراعاً حول هوية الحزب وعلاقته بالمؤسسة الاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، يواجه الحزب الجمهوري انقساماً متصاعداً بين المؤسسة الأمنية المحافظة والتيار الشعبوي المرتبط بشعار “أمريكا أولاً”، وهو انقسام تجلى بوضوح في المواقف المتضاربة من الحرب الإيرانية، حيث برزت أصوات جمهورية مثل النائب توماس ماسي والمعلق تاكر كارلسون لتنتقد التورط العسكري الخارجي. وهنا، يجد الرئيس الأمريكي ترامب نفسه مضطراً للموازنة بين إرضاء الصقور في حزبه والمحافظين على وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب، وهو ما يضع السلطة التنفيذية في توتر دائم مع التناقضات الأيديولوجية العميقة للحزب. غير أن الأهم من هذه الانقسامات هو أنها لم تعد محصورة في إطار الصراع بين الحزبين، بل تتقاطع فيها أجزاء من اليمين الشعبوي واليسار التقدمي في رفض الحروب الممتدة، والإنفاق الخارجي، ونفوذ المؤسسات الاقتصادية الكبرى، مما يخلق حالة من الارتباك الاستراتيجي تجعل من الصعب على حلفاء الولايات المتحدة الثقة في استمرارية السياسات الأميركية. حيث تكشف هذه التحولات عن تآكل تدريجي للإجماع التقليدي الذي حكم السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الانتخابات النصفية لعام 2026 ستكون مجرد اختبار لهذا التحول، أم أنها قد تمثل بداية إعادة تعريف جذرية لدور الولايات المتحدة في العالم.
يتجسد هذا التصدع المؤسسي بأوضح صوره في الصراع بين البيت الأبيض والكونجرس حول صلاحيات الحرب في الملف الإيراني. ففي 26 يونيو 2026، اتخذ الكونجرس خطوة غير مسبوقة حين أقر قراراً بتقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب في الحرب ضد إيران، وسط دعم نادر من مشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في مشهد يعكس القلق المتزايد داخل الأوساط السياسية الأمريكية حيال صراع مستعر دخل شهره الخامس دون أفق واضح. يأتي هذا التحرك بعد أن انتهت المهلة الدستورية التي تمنح الرئيس 60 يوماً لإدارة العمليات العسكرية دون موافقة الكونجرس، وهو ما دفع البيت الأبيض إلى إعلان أن الحرب انتهت بفضل وقف إطلاق النار، رغم استمرار الوجود العسكري والاشتباكات الفعلية. وهذه الحجة، التي يمكن وصفها بأنها قد لا تصمد أمام التدقيق القضائي، تعكس رغبة الإدارة في الالتفاف على القيود الدستورية، وهو ما يبرز عمق الأزمة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في واشنطن. وقد شكل هذا التصويت لحظة فارقة في مسار الحرب، حيث تحول النقاش من كيفية إدارة الحرب إلى شرعية استمرارها أصلاً.
في الوقت نفسه، تكشف الحرب ضد إيران عن شرخ هيكلي عميق داخل الحزب الجمهوري نفسه، وهو شرخ يعكس أزمة أوسع حول الأغراض التي تستخدم الدولة القوة من أجلها خارج حدودها. فوفقاً لتحليلات نشرتها مجلة “المجلة” في مارس 2026، يمتد خط التماس بين جناحين: الجناح التقليدي، الذي يضم المحافظين الجدد والصقور الذين يرون في العملية فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتدهور القدرات الإيرانية بشكل شامل، والجناح الانعزالي الشعبوي الذي يتبنى شعار “أمريكا أولاً” ويقاوم بقوة الحروب الخارجية الجديدة التي قد تتحول إلى صراعات مفتوحة. ويواجه ترامب مهمة موازنة دقيقة بين هذين التيارين، إذ يجب عليه إرضاء الصقور والمؤسسة العسكرية من خلال إظهار الحزم، مع البقاء وفياً لوعده الطويل الأمد لقاعدته الشعبوية بعدم جر البلاد مرة أخرى إلى مستنقع شرق أوسطي آخر، وهو ما يضع السلطة الكاريزمية للزعيم في توتر مستمر مع التناقضات الأيديولوجية العميقة للحزب. حيث سيشكله هذا الانقسام معركة مستقبلية شرسة في الانتخابات التمهيدية الجمهورية، وقد يهدد في النهاية الائتلاف الانتخابي الواسع الذي حافظ على الهيمنة الجمهورية.
كما أن الموقف من الحرب أظهر تناقضاً عميقاً داخل التيار الشعبوي الجمهوري، حيث برزت أصوات مثل تاكر كارلسون والنائب توماس ماسي لتنتقد التدخلات الخارجية وتسأل عن مدى انسجامها مع شعار “أمريكا أولاً”. حيث يتجاوز هذا الخلاف الأمريكيين كأشخاص، فجزء من القاعدة العمالية والريفية التي دعمت ترامب تريد أن ترى الموارد موجهة إلى الصناعة والاقتصاد وأمن الحدود. وعندما ترتفع أسعار الطاقة أو تتعطل التجارة بسبب أزمة خارجية، يصبح الدفاع عن الانخراط العسكري أكثر صعوبة أمام هذه القاعدة. وفي هذا السياق، يحتل نائب الرئيس جيه دي فانس موقعاً حساساً داخل هذه المعادلة، إذ يحاول الجمع بين خطاب “أمريكا أولاً” والمقتضيات التقليدية للأمن القومي، وبين القاعدة الشعبوية والمؤسسة الجمهورية. ولذلك فإن مواقفه من الحروب الخارجية تشكل جزءاً من معركة أوسع على مستقبل الحزب الجمهوري بعد ترامب.
على الجانب الآخر من الطيف السياسي، يعكس صعود التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي تحولاً جيلياً وهيكلياً في المشهد السياسي الأمريكي. حيث يصعب تفسير صعود التيار الديمقراطي الاجتماعي في الولايات المتحدة باعتباره ظاهرة انتخابية بدأت مع ممداني أو عبد الرحمن السيد، إذ تعود جذور المسار إلى مجموعة من الصدمات التي تراكمت خلال العقدين الأخيرين وغيرت علاقة قطاعات من المجتمع الأمريكي بالنخبة السياسية والاقتصادية. وقد ظهر بيرني ساندرز في انتخابات 2016 بوصفه تعبيراً واضحاً عن اعتراض يساري على المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي، لكن أهمية ساندرز لم تكن مرتبطة بفوزه بالترشيح الرئاسي، بل بقدرته على تحويل أفكار ظلت لعقود على هامش الخطاب السياسي الأمريكي إلى قضايا مركزية: الرعاية الصحية العامة، التعليم، الديون الطلابية، التفاوت الاقتصادي، نفوذ الشركات الكبرى، وتمويل الحملات الانتخابية.
وقد أعطت الحرب في غزة دفعة قوية لتحول كان قائماً أصلًا داخل بعض شرائح المجتمع الأمريكي، حيث أصبحت القضية الفلسطينية أكثر حضوراً في الجامعات، والحركات الشبابية، والنقاشات داخل الحزب الديمقراطي، ووصلت إلى مستويات كان يصعب تصورها قبل سنوات قليلة. وأظهرت الاحتجاجات الطلابية خلال 2024 أن القضية لم تعد محصورة في مجموعات سياسية أو مجتمعات عربية ومسلمة، بل دخلت بصورة أوسع في الخطاب السياسي لجيل شاب ينظر إلى الحرب من زاوية أخلاقية وحقوقية. وامتد هذا التحول إلى قطاعات من جيل الألفية وبعض الشرائح الليبرالية داخل المجتمع الأمريكي، بما فيها شرائح يهودية أمريكية بدأت تميز بصورة أوضح بين دعم إسرائيل وبين تأييد سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
يتجلى هذا التحول في المواقف من إسرائيل في تنامي الجدل حول دور لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) في السياسة الأمريكية. ففي انتخابات 2026، أنفقت اللجنة وما يرتبط بها من لجان عمل سياسي أكثر من 54 مليون دولار على الانتخابات النصفية، مما جعلها أكبر جهة إنفاق خارجي في الدورة الانتخابية الحالية، في حين أنفقت شبكة المانحين المؤيدة لإسرائيل بأكملها 71 مليون دولار، مما يضعها في المرتبة الثانية بعد صناعة العملات المشفرة فقط. وقد ركزت AIPAC جزءاً كبيراً من إنفاقها على الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، لدعم المرشحين الملتزمين بشدة بإسرائيل ومحاولة هزيمة منتقدي المساعدات العسكرية غير المشروطة. لكن استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك في يونيو 2026 وجد أن 48% من الناخبين الأمريكيين يعتقدون أن واشنطن داعمة لإسرائيل بشكل مفرط، بما في ذلك 66% من الديمقراطيين، وهو أعلى رقم إجمالي في تسع سنوات من الاستطلاع. وقد تحول هذا التغيير في المزاج السياسي إلى نتائج انتخابية ملموسة، حيث أنفق AIPAC حوالي 30 مليون دولار في ميشيغان في محاولة فاشلة لمنع المرشح التقدمي عبد الرحمن السيد من الفوز بالترشيح الديمقراطي لمجلس الشيوخ، كما هزم التقدميون مرشحين مدعومين من AIPAC في كاليفورنيا وإلينوي ونيويورك، وغالباً ما حولوا إنفاق اللجنة نفسه إلى قضية حملة انتخابية.
لم يقتصر التغيير في المواقف على اليسار الديمقراطي، بل امتد إلى اليمين الشعبوي حيث هاجم بعض المحافظين المنتمين إلى تيار “أمريكا أولاً” الدعم الأميركي لإسرائيل، متهمين اللوبي المؤيد لإسرائيل بجر الولايات المتحدة إلى صراعات خارجية أعمق. ويشير هذا التحول إلى أن المسألة الإسرائيلية، التي كانت لعقود عنصر إجماع في السياسة الأمريكية، أصبحت موضوعاً للنقاش والانقسام، مما قد يعيد تعريف حدود النقاش السياسي في المستقبل.
في ظل هذه الانقسامات الداخلية، يمتلك الرئيس الأمريكي هامشاً واسعاً في إدارة السياسة الخارجية عبر الأدوات التنفيذية والتفسير المرن للصلاحيات، إلا أن هذا الهامش يبقى مقيداً بالحسابات الانتخابية، والانقسامات داخل الحزب الجمهوري، وعلاقة الإدارة بالكونجرس، والكلفة الاقتصادية والمادية لأي تصعيد خارجي. وتظهر هذه المعضلة بأوضح صورها في الملف الإيراني، حيث تتقاطع الحاجة إلى إظهار القوة مع مخاطر الانزلاق إلى حرب واسعة مرتفعة الكلفة. ففي هذا الملف، يعمل في المحيط السياسي للرئيس رؤيتان مختلفتان: الأولى يقودها تيار شعبوي براجماتي يرى أن حرباً إقليمية جديدة ستستنزف الموارد، وترفع أسعار الطاقة، وتناقض الوعود الانتخابية المتعلقة بإنهاء الحروب، والثانية تمثلها قوى أكثر تشدداً داخل المؤسسة الأمنية والسياسية، وتدفع نحو الضغط الأقصى والردع العسكري الصارم، وتلتقي في جوانب عديدة مع رؤية الحكومة الإسرائيلية ومع جماعات ضغط مؤيدة لها. ينتج عن هذا الانقسام نمط سياسي يقوم على التصعيد المحدود، ثم المفاوضات، ثم إعادة الضغط، بدل الانتقال المباشر إلى حرب شاملة أو اتفاق شامل. ويضاف إلى الحساب السياسي عامل اقتصادي مباشر، فأي اضطراب كبير في الخليج أو مضيق هرمز يرفع أسعار الطاقة والنقل والأسمدة والمواد الأولية، وينعكس على المواطن الأمريكي قبل الانتخابات. كما أن المواجهات الإقليمية الأخيرة استهلكت جزءاً من مخزون منظومات الاعتراض والدفاع الجوي والصواريخ المتقدمة، بينما تحتاج الصناعات الدفاعية إلى وقت لتعويض هذه المخزونات، مما يعني أن فتح جبهة واسعة جديدة في الشرق الأوسط قد يؤثر في جاهزية الولايات المتحدة في ساحات أخرى، وعلى رأسها منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في الختام، يمثل الصراع المؤسسي بين البيت الأبيض والكونجرس، والانقسامات داخل كلا الحزبين، وتآكل الإجماع التقليدي حول السياسة الخارجية، أكثر من مجرد خلافات سياسية داخلية عابرة؛ إنها تعكس تحولاً عميقاً في النظام السياسي الأميركي يجعل من الصعب على واشنطن الحفاظ على دورها التقليدي كضامن أمني في الشرق الأوسط. وهذا التحول، الذي تغذيه الاستقطابات الحزبية والاستحقاقات الانتخابية والتغيرات الجيلية، يفتح الباب أمام إعادة تشكيل معادلات القوة في المنطقة، حيث لم تعد الدول تعتمد على قوة عظمى واحدة، بل تسعى إلى بناء شبكات معقدة من الشراكات المتوازنة التي تمنحها هامشاً أوسع من المناورة. وفي هذا العالم الجديد، يصبح السؤال الأهم ليس من سيحمي المنطقة؟، بل كيف يمكن للدول الإقليمية أن تحمي نفسها في غياب ضمانات موثوقة؟


